اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شبلي يكتب: التراجع المعرفي والفجوة التعليمية في العالم العربي

{title}
أخبار الأردن -

الدكتور سعد شاكر شبلي

الحديث عن واقع المعرفة والتعليم في العالم العربي هو موضوع ذو شجون، ويرى العديد من المفكرين والمحللين أن ما يُوصف بـ "التراجع المعرفي" أو "الفجوة التعليمية" في العالم العربي ليس نتاجاً لسبب واحد، بل هو محصلة تشابك عوامل تاريخية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية.

ويشير التراجع المعرفي العام في المؤسسات التعليمية إلى انخفاض جودة مخرجات التعليم، وتراجع قدرة الطلاب على التفكير النقدي، والتحليل، واكتساب المعارف العميقة مقارنة بالأجيال السابقة، وهذه ظاهرة أصبحت تؤرق التربويين والمخططين السياسيين عالمياً ومحلياً، وهذا التراجع يختلف عن التراجع المعرفي لدى الأفراد  الذي هو فقدان تدريجي في الوظائف العقلية مثل الذاكرة، والانتباه، والتفكير المنطقي، واللغة، والقدرة على التخطيط.

وتنحصر أبعاد التراجع المعرفي العام أو الفجوة التعليمية، في مجموعة من المحاور التي من أبرزها: 

  1. مظاهر التراجع المعرفي: تُعبر مظاهر التراجع عن الدلائل، العلامات، أو الصور المرئية والملحوظة للارتداد، أو الانخفاض، أو العودة إلى مستوى أدنىبعد أن كان هناك تقدم أو استقرار، وتبدو هذه المظاهر واضحة في العديد من المؤسسات التعليمية ومخرجاتها، من خلال:
  2. سطحية الفهم: الاعتماد على الحفظ قصير المدى لاجتياز الامتحانات دون استيعاب حقيقي للمفاهيم.
  3. ضعف المهارات الأساسية: تراجع ملحوظ في قدرات القراءة والكتابة والعمليات الحسابية الأساسية (القرائية والعدّية).
  4. تدني مهارات البحث: العجز عن التمييز بين المصادر الموثوقة والمصادر المزيفة أو السطحية على الإنترنت.
  5. تشتت الانتباه: انخفاض القدرة على التركيز لفترات طويلة أو قراءة نصوص ومجـلدات كاملة.
  6. أسباب الظاهرة: لقد كان التعليم وما يزال الركيزة الأساس لنمو المجتمعات وتقدمها، وهو معيار أصيل لرقي الشعوب وتطورها؛ ومع ذلك، فإن كثيراً من الأنظمة التعليمية باتت تعاني من ضعف في البنية، وتراجع في الكفاءة، وابتعاد عن متطلبات العصر ، وقد أدت هذه الأزمة إلى آثار معرفية عميقة، تمثلت في تراجع القيمة الحقيقية للمعرفة في عقول الأفراد والمؤسسات، إذ يشهد العالم المعاصر تحديات غير مسبوقة في مجال التعليم، حيث تتجلى مظاهر أزمة التعليم في تدني مخرجاته وتراجع قيمته المعرفية، وترافق ذلك مع ما يسمى بـ "التراجع المعرفي"، وهو تعبير عن التدهور العام في نوعية المعرفة المتداولة، سواء من حيث عمقها أو موثوقيتها، واليوم تبدو أسباب هذه الطاهرة من خلال: 
  7. الاعتماد المفرط على التقنية: الاستخدام غير الموجّه للهواتف والذكاء الاصطناعي، مما جعل الطلاب يفضلون الإجابات الجاهزة والسريعة بدلاً من بذل الجهد العقلي.
  8. تغير سياسات التقييم: التركيز على الامتحانات المعتمدة على الاختيار من متعدد (MCQs) لإيجاد جودة وهمية، مما يقتل مهارة التعبير والكتابة الإنشائية.
  9. تسليع التعليم: تحول بعض المؤسسات إلى مراكز ربحية تهتم برضا "العميل" (الطالب/الولي) على حساب الصرامة الأكاديمية (تضخم الدرجات).
  10. تراجع مكانة المعلم: ضعف برامج إعداد المعلمين، وتدني أجورهم، وضغط الأعباء الإدارية عليهم مما يقلل من جودة عطائهم داخل الفصول.
  11. المناهج المكدسة: التركيز على كمية المعلومات (الحشو) بدلاً من نوعيتها وعمقها المعرفي.
  12. التداعيات على المجتمع وسوق العمل: تؤدي الفجوة التعليمية (التفاوت في المهارات والتحصيل والانقطاع عن الدراسة) إلى مجموعة من التداعيات العميقة والواسعة على الأفراد والمجتمعات، من أبرزها:
  13. فجوة المهارات: افتقار الخريجين من حاملي الشهادات الجامعية للمهارات الفعلية التي يتطلبها سوق العمل الحديث.
  14. تراجع الابتكار: غياب المبدعين والباحثين القادرين على إنتاج معرفة جديدة أو حل مشكلات معقدة.
  15. سهولة الانقياد: ضعف التفكير النقدي يجعل الأجيال الناشئة أكثر عرضة للتضليل الإعلامي والشائعات.

ولتفسير هذا الواقع  لا بد من التوقف عند المحاور الآتية:

  1. واقع الأنظمة التعليمية: يواجه النظام التعليمي في أغلب الدول العربية واقعاً سلبياً، أفرز عن تحديات جوهرية تؤثر على جودة المخرجات وذلك جراء:
  2. الاعتماد على التلقين: ما زالت الكثير من المناهج التعليمية تركز على الحفظ واسترجاع المعلومات بدلاً من تنمية مهارات التفكير النقدي، والتحليل، والإبداع.
  3. ضعف الإنفاق على البحث العلمي: تشير التقارير الدولية إلى أن نسبة ما تخصصه معظم الدول العربية من نتاجها المحلي الإجمالي للبحث والتطوير تُعد ضئيلة جداً مقارنة بالدول المتقدمة.
  4. الأزمات السياسية والحروب: تسبّب الأزمات السياسية والحروب المتواصلة في المنطقة العربية تداعيات عميقة وممتدة، تتجاوز حدود الدول التي تشهد صراعات مباشرة لتؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي ككل، الأمر الذي ينسحب على العملية التعليمية وما يمكن أن تخلفه على التراجع المعرفي والفجوة التعليمية وذلك نتيجة:
  5. غياب الاستقرار: عانت وتُعاني عدة دول عربية من نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية للمدارس والجامعات وتشريد ملايين الأطفال والشباب خارج مقاعد الدراسة.
  6. هجرة العقول: يدفع عدم الاستقرار وغياب الفرص والتقدير بالعلماء، والأطباء، والمفكرين العرب إلى الهجرة للخارج، مما يحرم الأوطان من كفاءاتها.
  7. الوضع الاقتصادي والاجتماعي: تعاني غالبية الدول العربية من تداعيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي التي أوجدت تأثيرات جمة على الفجوة التعليمية وذلك بفعل من تحديات هيكلية عميقة ومؤشرات متدنية في العديد من المجالات الحيوية، وفقاً لتقارير مؤسسات دولية وإقليمية حديثة، وذلك نتيجة: 
  8. ارتفاع معدلات الأمية والفقر: في بعض المجتمعات، تفرض الظروف الاقتصادية الصعبة على الأطفال ترك التعليم والتوجه إلى سوق العمل لإعالة أسرهم.
  9. تراجع مكانة الثقافة والقراءة: تشير إحصاءات دورية إلى انخفاض معدلات قراءة الكتب في العالم العربي مقارنة بـمناطق أخرى، مع طغيان الاستهلاك السريع للمحتوى الرقمي غير المعمق.

الحلول والمقترحات

واستناداً لما تقدم لا بد من تناول الحلول والمقترحات لتطوير المهارات التعليمية في العالم العربي، والتي يستوجب أن تعتمد على خطط إصلاح للتعليم عبر الانتقال من أسلوب التلقين التقليدي إلى تبني استراتيجيات تُركز على الطالب وتُنمي مهارات المستقبل، وذلك من خلال: 

1. إعادة هيكلة المناهج وطرق التدريس

  • التحول نحو التعلم القائم على المشاريع: استبدال الحفظ التقليدي بأساليب تدفع الطلاب للبحث والتجربة لحل مشكلات واقعية.
  • إدراج مهارات القرن الـ 21: التركيز على المهارات الناعمة (Soft Skills) كالتفكير النقدي، والتواصل الفعّال، والعمل الجماعي، وحل المشكلات المعقدة.
  • تحديث مناهج العلوم والتكنولوجيا (STEAM): الدمج بين العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والفنون، والرياضيات لتنمية الفضول العلمي والابتكار.

2. تمكين وتطوير المعلمين

  • إصلاح برامج إعداد المعلمين: تحديث كليات التربية في الجامعات لتركز على استراتيجيات التدريس الحديثة وعلم النفس التربوي الرقمي.
  • التنمية المهنية المستمرة: ربط الترقيات والرواتب بالدورات التدريبية المعتمدة والأداء الفعلي داخل الغرفة الصفية.
  • رعاية الصحة النفسية للمعلم: تخفيف الأعباء الإدارية وتوفير بيئة عمل داعمة تضمن تفرغه التام للعملية التعليمية.

3. تعزيز التعليم الرقمي والتقني

  • دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم: استخدام برامج التعلم التكيفي التي تُفصل الدروس والمهام بناءً على سرعة استيعاب كل طالب ونقاط قوته وضعفه.
  • سد الفجوة الرقمية: توفير بنية تحتية تكنولوجية قوية (إنترنت سريع وأجهزة ذكية) للمدارس في المناطق الريفية والأقل حظاً لضمان تكافؤ الفرص.
  • التعليم المدمج (Blended Learning): الجمع بين التعليم الوجاهي والتفاعل الرقمي عبر منصات وطنية معتمدة.

4. ربط التعليم بمتطلبات سوق العمل

  • تطوير التعليم المهني والتقني (TVET): إزالة الوصمة المجتمعية عن التعليم المهني من خلال ربطه بمسارات جامعية متقدمة وشهادات دولية.
  • شراكات مع القطاع الخاص: إتاحة الفرصة للشركات للمساهمة في تصميم المناهج، وتوفير فرص تدريب عملي (Internships) للطلاب قبل التخرج.
  • تأسيس حاضنات ريادة الأعمال: تشجيع الطلاب في المدارس والجامعات على تحويل أفكارهم إلى مشاريع ناشئة وتدريبهم على مهارات إدارة الأعمال.

5. إصلاح نظم التقييم والقياس

  • التقييم المستمر والتكويني: الاعتماد على ملفات الإنجاز (Portfolios) والأنشطة المستمرة طوال العام بدلاً من حصر تقييم الطالب في امتحان نهائي واحد.
  • إصلاح امتحانات الثانوية العامة: الاستمرار في تطوير نماذج التوجيهي والامتحانات الوطنية في الدول العربية لتشمل قياس الفهم والتحليل بدل الاستظهار.

 

 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية