العثامنة يكتب: نيويورك... خطابان وحصار واحد
مالك العثامنة
أخذ خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساحته الواسعة من التداول والاهتمام، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى ما حمله من جرأة واضحة في توصيف ما يجري، ومن بلاغة في المعنى أكثر منها في اللغة، إذ ذهب مباشرة إلى جوهر المأزق الذي يعيشه النظام الدولي وهو يرى القواعد التي يتحدث عنها منذ عقود تتآكل أمامه حين يتعلق الأمر بفلسطين، كما أن حدة الرد الإسرائيلي على الخطاب كشفت أنه أصاب مساحة شديدة الحساسية في رواية حكومة بنيامين نتنياهو أمام العالم.
لكن وسط كل ما قيل وكتب عن خطاب الملك، فرض خطاب الملكة رانيا العبدالله نفسه أمامي كقارئ سياسي، لا باعتباره كلمة إنسانية موازية، بل بوصفه جزءا من المشهد نفسه، فبين الخطابين بدا أن الرسالة الأردنية تتحرك على مستويين متكاملين، الأول سياسي وقانوني حمله الملك بوضوح، والثاني أخلاقي وإنساني صاغته الملكة بعناية، ولذلك يصبح تجاهل أحدهما عند قراءة الآخر إضاعة لجزء أساسي من الصورة.
والملكة التي وقفت تتحدث عن أطفال فلسطين ليست فقط شخصية عامة اعتادت المنابر الدولية، بل هي أم وهي اليوم جدة أيضا، وهذه المسافة الإنسانية لا تحتاج إلى استثمار عاطفي فاقع كي نفهم أثرها في اختيار زاوية الخطاب، لأن مشهد طفل ينتزع من سريره ليلا ويقتاد تحت السلاح لا يبقى مجرد مسألة قانونية حين تراه عين أم أو جدة تعرف ببساطة معنى الخوف على طفل.
لكن اختزال خطاب الملكة في هذه العاطفة وحدها سيكون ظلما له، فهي خاضت على مدى سنوات معارك في التعليم والطفولة والمرأة، ثم دخلت منذ حرب غزة في مواجهة علنية مع ازدواجية المعايير الغربية، كما أنها راكمت خبرة واضحة في مخاطبة الغرب وفهم لغته السياسية والثقافية، وقد كنت شخصيا في سنوات سابقة ممن انتقدوها وكتبت عنها نقدا قابلا للجدل، وتقبلت هي ذلك مني ومن سواي من دون أن يتحول الاختلاف إلى موقف شخصي، وهذا يكفي هنا كإشارة عابرة تجعل قراءتي الحالية أقل اتصالا بالمجاملة وأكثر اتصالا بما قالته فعلا.
وهنا كانت براعة الاختيار، فالملك تحدث من موقع الدولة وبأدوات السياسة والقانون الدولي، بينما أخذت الملكة القضية إلى منطقة أقل صداما في شكلها لكنها ليست أقل قوة في أثرها، إلى الطفل، وإلى ذلك المكان الذي يصعب فيه على الخطاب السياسي أن يختبئ طويلا خلف مفردات الأمن والحرب والضرورة، وبذلك لم تكرر خطاب الملك ولم تنافس حدته، بل فتحت له ممرا آخر إلى المكان نفسه.
الملك وضع حكومة نتنياهو أمام مأزقها السياسي والقانوني، والملكة دفعتها إلى مأزقها الأخلاقي، وبين الاثنين تشكل حصار من نوع مختلف أمام المجتمع الدولي، لا يقوم على الاستعراض ولا على رفع النبرة، بل على إعادة تسمية ما يجري وإجبار المتلقي على مواجهة معناه الحقيقي.
وهذا مهم لأن الرأي العام الدولي، مهما تعددت مراكزه، ما يزال يتشكل إلى حد كبير داخل الفضاء الغربي، وخصوصا الأمريكي والأوروبي، ليس لأن بقية العالم بلا تأثير، بل لأن كثيرا من المفردات التي تصف الحروب والأزمات والقضايا الدولية تصنع هناك أولا، ولذلك فإن معركة فلسطين لم تكن يوما معركة وقائع فقط، بل كانت أيضا معركة على اسم الواقعة وعلى الطريقة التي تدخل بها إلى وعي الناس.
في خطاب الملك، حضرت غزة والضفة والاستيطان والضم والتهجير، وحضر الخطر الكامن في تحويل سلسلة من الوقائع التي تبدو منفصلة إلى واقع سياسي وجغرافي جديد يفرض بالقوة، وفي جوهر هذه اللغة محاولة لاستعادة المعنى من التخفيف اللغوي، لأن الاحتلال حين يسمى نزاعا، والاستيطان خلافا، والتهجير إجراء أمنيا، يصبح الاعتياد على المفردة مدخلا للاعتياد على الفعل.
أما الملكة فبدأت من مكان آخر تماما، لم تبدأ من الحدود ولا من الخرائط ولا من حل الدولتين، بل من الطفل، ومن حقيقة تبدو بديهية إلى درجة أنها لا تحتاج إلى القول، وهي أن مكان الأطفال المدارس والملاعب وحول موائد العائلة وليس المعتقلات العسكرية، ثم أخذت المستمع إلى المشهد الذي يصعب تجميله، طفل في الثانية عشرة يؤخذ من منزله تحت تهديد السلاح إلى مكان لا يستطيع والداه الوصول إليه.
هنا تغير السؤال نفسه، فلم يعد النقاش عما فعله الطفل، بل عن المنظومة التي ترى في هذا الطفل خطرا يستحق الاعتقال والعزل والمحاكمة العسكرية، ولذلك كان سؤال الملكة، ما المخيف إلى هذا الحد في الأطفال الفلسطينيين، أكثر من عبارة عاطفية، لأنه قلب عبء التفسير من الطفل إلى النظام الذي يعتقله.
والملكة لم تقدم ما يحدث باعتباره تجاوزات فردية داخل منظومة سليمة، بل ربطته بجهاز سياسي وقانوني وأمني يجعل القسوة قابلة للتطبيع حين يكون ضحيتها فلسطينيا، وهنا يتحول الخطاب الأخلاقي إلى فعل سياسي حقيقي، لأنه لا يطلب من الغرب أن يتبنى رواية عربية، بل يطالبه فقط بأن يطبق على الطفل الفلسطيني المعايير التي يقول إنها عالمية.
وهنا تلتقي الرسالتان تماما، فالملك يقول للعالم إن هذه السياسات تهدد القانون والنظام الدولي ومستقبل المنطقة، والملكة تقول له إن السياسات نفسها تسقط أمام أبسط اختبار أخلاقي، طفل مقيد وأم لا تعرف أين ابنها.
وهذا هو جوهر الحصار الذي صنعه الخطابان معا حول حكومة نتنياهو، ليس بمعنى أن خطابين قادران وحدهما على تغيير موازين القوة، فهذا تبسيط لا يفيد، بل بمعنى تضييق المساحة التي يمكن داخلها الاستمرار في تقديم كل ما يجري باعتباره مجرد دفاع عن النفس أو إجراءات أمنية منفصلة عن سياق الاحتلال وسياساته.
والأهم أن هذه الرسائل قيلت في نيويورك لا أمام جمهور عربي مقتنع أصلا بالقضية، بل في قلب الفضاء الذي تتشكل فيه الرواية الدولية وتنتشر منه، وهنا كانت براعة خطاب الملكة تحديدا، فهي تعرف أن الوجدان الغربي لا يدخل إليه خطاب فلسطين بالطريقة نفسها التي يدخل بها إلى شارع عربي يعرف أصل الحكاية، ولذلك دخلت إليه من حقوق الطفل والكرامة الفردية والحماية من تعسف السلطة، أي من القيم التي يقدم الغرب نفسه بوصفه حارسا لها.
ومن هنا يصبح الخطاب أكثر إحراجا، لأنه لا يطلب من الغرب أن يغير هويته السياسية ولا أن يتبنى لغتنا، بل أن يكون منسجما مع المعايير التي وضعها لنفسه.
وهنا تصبح المسألة أكبر من نتنياهو وأكبر من حكومته، لأن الخطابين وضعا الغرب أمام صورته عن نفسه، ما معنى القانون الدولي إذا أصبح انتقائيا، وما معنى حقوق الطفل إذا احتجنا أولا إلى معرفة هوية الطفل قبل أن نقرر مقدار غضبنا مما حدث له.
في السياسة يمكن دائما العثور على مبررات، وفي الحروب يمكن أن تتراكم الروايات إلى ما لا نهاية، لكن هناك لحظة يصبح فيها المشهد أبسط من كل ذلك، طفل في زنزانة وأم لا تعرف أين ابنها، وعند هذه النقطة لا يعود السؤال فقط ماذا تفعل إسرائيل بالفلسطينيين، بل ماذا يفعل العالم بالمعايير التي يقول إنه يؤمن بها.
وربما كان هذا هو الحصار الأصعب على حكومة نتنياهو، حصار لا يصنعه السلاح ولا العقوبات وحدها، بل ذلك السؤال الذي كلما بقي بلا جواب صار أثقل على الضمير الغربي نفسه.







