اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العتوم تكتب:ألم الرؤية.. كلمة في خطاب الملك

{title}
أخبار الأردن -

د. ميسون العتوم

في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يمرّ النظر في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني كما لو كان صورةً من صور البيان، بل يبدو كأنه العصب الخفي الذي تنتظم حوله الكلمة كلها. منذ البداية، يضع الخطاب نفسه في مواجهة مع مأزق اللغة: كيف يمكن للكلمات أن تحمل فداحة ما يحدث، وكيف يمكن أن تتكلم عن الألم من غير أن تتحول هي نفسها إلى جزء من اعتياد الألم؟.

فالصورة تعبر العين، أما النظر فيمكث. الصورة تصل، ثم تفسح مكانها للصورة التي تليها؛ أما النظر الحقيقي فيقاوم هذا العبور السريع، ويمنح ما يراه زمناً كافياً لكي ينفذ من العين إلى الوعي، ومن الوعي إلى الضمير.  والمأساة تبدأ حين تصبح كثرة ما نرى سبباً في ألا نعود نشعر بما نرى.

ولعل قوة خطاب الملك تكمن في أنه يردّ إلى الرؤية ألمها الأول. لا يريد من العالم أن يرى غزة مرة أخرى فحسب؛ يريد منه ان يتمعن فيما يرى في غزة.

ومن غزة ينتقل النظر إلى الضفة الغربية، لكن الانتقال هنا ليس انتقالاً في المكان وحده؛ إنه انتقال في إيقاع العنف. في غزة ينفجر العنف في وجه العين، أما في الضفة فيمكن أن يتقدم عليها ببطء، وأن يعمل في الزمن أكثر مما يعمل في اللحظة: أرض تُنتزع، ومستعمرات تتسع، وعائلات تُهجّر، ومكان يتغير شيئاً فشيئاً حتى يصبح التغيير نفسه جزءاً من المشهد. وهذا النوع من العنف أخطر على الذاكرة، لأنه لا يطلب من العين أن تغمض؛ يكفيه أن تنظر اليوم، ثم غداً، ثم بعد غد، حتى يصبح ما كان صدمةً في الأمس جزءاً من ترتيب الأشياء في اليوم.

ومن هنا يأخذ الخطاب عينه إلى جنوب سوريا. فهناك أيضاً لا تكفي رؤية اللحظة منفردة. التوغلات، والتوسع، والوقائع التي تتشكل على الأرض، وما يتصل بموارد المياه، لا ينبغي أن تُقرأ كحوادث منفصلة، بل كمسار يتكوّن أمام العين.

ثم تأتي القدس، فيتغير معنى الرؤية مرة أخرى. فالقدس ليست مجرد مساحة تتنازعها الخرائط، ولا حجارةً يمكن فصلها عن الذاكرة التي تسكنها. إنها مدينة تتراكم فيها طبقات الصلاة والزيارة والقداسة، مدينة لا تستمد معناها من ذاكرة واحدة، ولا يمكن اختزالها في صوت واحد. ولهذا فإن حماية مقدساتها الإسلامية والمسيحية وصون وضعها التاريخي والقانوني لا يتعلق بالحجر وحده، بل بما يجعل المدينة مدينة: قدرتها على أن تحمل في آن واحد أكثر من ذاكرة، وأكثر من صلاة، وأكثر من معنى. القدس، بهذا المعنى، ليست فقط شيئاً ينبغي أن نراه؛ إنها اختبار لطريقة رؤيتنا نفسها: هل نستطيع أن نرى المدينة من غير أن نمحو إحدى ذاكرتيها باسم الأخرى؟ وهل نستطيع أن نترك للقداسة أن تكون متعددة، وللذاكرة أن تتجاور من غير أن تتحول المدينة إلى ساحة لمحو ذاكرة بذاكرة؟

ومن هنا، لا يعود النظر مجرد فعل بصري، بل يصبح مقاومةً للنسيان. أن ننظر يعني أن نمنح ما نراه وقتاً ليبقى في الوعي، فلا يبتلعه تدفق الصور، ولا يتحول الخبر إلى رقم، أو الخراب إلى مشهد عابر. فما لا يمكث في الوعي يفقد أثره، ومعه تضعف قدرتنا على الشعور بالمسؤولية.

ولذلك تبدأ السياسة، كما يفتحها هذا الخطاب، حين يصبح ما نراه نقطة انطلاق للفعل. فالعالم يمتلك القانون والدبلوماسية والمؤسسات وأدوات الضغط، لكن هذه الأدوات لا تتحرك من تلقاء نفسها؛ إذ يسبقها وعي بما نراه وشعور بالمسؤولية تجاهه. وهنا تكمن المفارقة: فمع تدفق الصور وتكرارها، قد نفقد قدرتنا على التأثر بها، حتى يتحول فائض الرؤية، على نحو مفارق، إلى نوع من العمى.

لذلك لا يطلب الخطاب، في جوهره، مزيداً من الصور. الصور موجودة، أكثر مما تحتمل العين. ما يطلبه هو شيء آخر: نظراً يبقى بعد الصورة، نظراً لا ينصرف حين تتغير الشاشة.

ألم الرؤية، إذن، ليس أن نرى ما يؤلم، بل أن نرى ولا نُصاب بما نرى.

* باحثة وأكاديمية في الجامعة الأردنية


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية