عوض يكتب: دقة التوقعات الاقتصادية
أحمد عوض
تحتاج الحكومات والشركات والأسر إلى توقعات تساعدها في إعداد الموازنات واتخاذ قرارات الاستثمار والإنفاق. لكن من الصعب اليوم التعامل مع هذه التوقعات بدرجة عالية من اليقين. فسعر النفط أو الذهب او معدل التضخم المتوقع، ومعدل النمو المنتظر، تقوم جميعها على افتراضات قد تتغير سريعاً بفعل قرار سياسي أو حرب أو تطور اقتصادي أو بيئي مفاجئ.
ولا ينبغي استسهال إعلان التوقعات الاقتصادية. فالنمو الاقتصادي يتأثر بالاستثمار والاستهلاك، وبأسعار الطاقة والفائدة والتجارة وثقة الناس والشركات وغيرها من العوامل. وقد يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة إيرادات الدول المنتجة، بينما يرفع كلفة النقل والإنتاج ويضغط على دخل الأسر في الدول المستوردة. وحتى داخل البلد الواحد، قد تستفيد قطاعات منه وتتضرر أخرى. لذلك، قد يتحقق معدل نمو متوقع، بينما تتراجع معيشة فئات واسعة؛ فالرقم الإجمالي لا يصف وحده كيفية توزيع المكاسب والخسائر.
كما أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة تعطل الإمدادات قد يضعف الطلب عليه لاحقاً إذا أدى إلى تباطؤ الاقتصاد. وقد يدفع الحكومات إلى استخدام مخزوناتها أو زيادة الإنتاج من مصادر أخرى. لذا، لا يكفي تحديد المتغير الذي يؤثر على المؤشر الذي يراد توقع اتجاهه؛ بل يجب فهم استجابة الأسواق والحكومات له، والوقت الذي تحتاجه هذه الاستجابة لتظهر.
ويقدم الذهب مثالاً واضحاً على تداخل التأثيرات. فالتوتر السياسي قد يزيد الإقبال عليه بوصفه ملاذاً آمناً، لكنه قد يرفع النفط والتضخم أيضاً، فتزداد توقعات رفع الفائدة وتقوى عوائد السندات والدولار، ما يضغط على الذهب. وهكذا، يمكن للحدث نفسه أن يدفع السعر في اتجاهين مختلفين. العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية والسياسية والبيئية تفاعلية، وليست سلسلة ميكانيكية تنتج فيها كل واقعة نتيجة ثابتة.
كذلك، لا يقل المدى الزمني للتوقع أهمية عن الرقم نفسه. فقد يصلح تقدير لاتجاه الذهب خلال أسابيع، ثم تتغير العوامل المؤثرة عليه خلال أشهر. أما التوقعات البعيدة، فتتأثر بتحولات يصعب تقدير توقيتها وحجمها، مثل التكنولوجيا والمناخ وتغير موازين القوى الاقتصادية. ومن الخطأ مقارنة توقع لسعر سلعة في نهاية شهر بتوقع لمتوسط سعرها السنوي، أو الحكم عليهما بالطريقة نفسها.
ويجب الانتباه أيضاً إلى الجهة التي تصدر التوقع. فبعض الجهات التي تنشر تقديرات للأسعار لديها مصالح في الأسواق المعنية، وقد تخدم توقعاتها أهدافاً تجارية أو سياسية. لا يعني ذلك رفضها مسبقاً، لكنه يستدعي معرفة افتراضاتها ومصالحها، ومراجعة مدى دقة توقعاتها السابقة. كما يستدعي السؤال عما إذا كانت تعلن توقعاتها الخاطئة وتفسر أسباب تعديلها بالوضوح نفسه الذي تعلن به توقعاتها الناجحة.
لقد حسّنت النماذج الرياضية والذكاء الاصطناعي القدرة على معالجة البيانات ورصد أنماط حركة المؤشرات الاقتصادية، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار علاقات الماضي أو توقع كل صدمة جديدة. لذلك، الأجدى أن تُعرض التوقعات على شكل سيناريوهات توضّح ما قد يحدث إذا ارتفع النفط أو تغيرت الفائدة أو تعطلت التجارة، وأن تُراجع كلما تغيرت افتراضاتها. ويجب أن تبيّن هذه السيناريوهات نطاق النتائج الممكنة، لا أن تستبدل رقماً قاطعاً بأرقام قاطعة أخرى.
نحتاج إلى التوقعات كي نخطط، لكن قيمتها تكمن في مساعدتنا على الاستعداد لنتائج مختلفة، لا في تقديم رقم واحد يوحي بأن المستقبل محسوم.







