اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الحديد يكتب: من هرمز إلى اليرموك.. رسالة الملك الخفية في الأمم

{title}
أخبار الأردن -

 

زيدون الحديد


لم أتاخر في الكتابة عن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل آثرت أن أراقب أولا ردود الفعل والتحليلات، لأن خطابا بهذا التوقيت والمضمون يستحق أن يقرأ بعيدا عن انفعال اللحظة، لكنني كلما تابعت ما قيل وما كتب، ازددت قناعة أن هذا الحدث لا يحتمل التأجيل، خصوصا أن لهجة الملك تجاه ما يجري في الإقليم، وتحديدا تجاه التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري، بدت أكثر حدة ووضوحا من المعتاد، إلى درجة أن صداها ظهر في الإعلام الإسرائيلي بصورة لافتة ومستفزة.
 

ما لفتني في الخطاب ليس ارتفاع سقف اللهجة فقط، وإنما الطريقة التي وضع بها الملك سورية داخل معادلة الأمن الأردني، فعندما يربط بين أمن الحدود الشمالية والأمن المائي، فهو لا يتحدث عن الجغرافيا وحدها، بل يضع أمام المجتمع الدولي مفهوما أوسع للأمن، عنوانه أن استقرار محيط الأردن اصبح جزءا من استقراره، وان سورية المستقرة يمكن ان تتحول من مصدر للقلق إلى بوابة للفرص.
الأردن يدرك أن موقعه الجغرافي أحد اهم أصوله الاقتصادية، فالعقبة تفتح الطريق على البحر الأحمر، والخليج يمثل مركزا للطاقة ورأس المال والأسواق، والعراق يشكل امتدادا اقتصاديا شرقا، بينما تفتح سورية الطريق شمالا نحو المشرق والبحر المتوسط، وبين هذه الجغرافيا يمكن أن يتشكل ممر تجاري ولوجستي تزداد قيمته مع اضطراب طرق التجارة والطاقة، خصوصا بعد أزمة مضيق هرمز التي أعادت إلى الواجهة أهمية تنويع مسارات الإمداد.
ومن هنا تبدو سورية في الحساب الأردني اكبر من مجرد دولة جارة، فاستقرارها يعني إمكانية عودة حركة التجارة البرية، وتنشيط معبر جابر، وزيادة حركة الشاحنات، وتوسيع أعمال النقل والتخليص والتخزين والخدمات اللوجستية، كما يعني أن العقبة يمكن أن تستفيد من حركة ترانزيت تمتد من الخليج والعراق عبر الأردن وسورية باتجاه المتوسط، ولذلك فإن انتعاش سورية، إذا ترافق مع استقرار سياسي وأمني، يمكن أن يخلق فرصا مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد الأردني.
لكن القصة لا تبدأ من التجارة وحدها، بل من الماء، وهنا يصبح نهر اليرموك وسد الوحدة جزءا أساسيا من فهم الرسالة الملكية، فالمياه المشتركة تجعل أمن البلدين مترابطا، والماء في الأردن ليس قضية خدمية فحسب، بل قضية اقتصادية وسيادية، لانه يرتبط بالزراعة والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وكلفة الإنتاج، ولذلك فإن حماية الموارد المائية وإدارة الأحواض المشتركة بصورة مستقرة تعني في النهاية حماية جزء من الاقتصاد الأردني.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحدة التي ظهرت في حديث الملك عن الجنوب السوري، فالأردن لا ينظر إلى ما يجري هناك باعتباره شأنا بعيدا، لأن أي اضطراب طويل الأمد على حدوده الشمالية يمكن أن ينعكس على الأمن والمياه والتجارة والاستثمار، والحدود غير المستقرة لا تصنع ممرات اقتصادية، والمياه المهددة لا تبني اقتصادا مستقرا، والطرق الواقعة في بيئة مضطربة لا تتحول إلى شرايين للتجارة الإقليمية.
ولعل الرسالة الأعمق في خطاب الملك أن الأردن لا يريد أن تبقى حدوده الشمالية خطا أمنيا يفصل بين دولتين، بل يريد أن تتحول إلى بوابة اقتصادية تربط الخليج بالعراق وسورية والبحر المتوسط، وهذا التحول يحتاج إلى سورية مستقرة وقادرة على استعادة دورها التجاري، ولذلك فإن استقرار سورية بالنسبة إلى الأردن ليس موقفا سياسيا فقط، بل مصلحة اقتصادية مباشرة.
ومن هنا يصبح السؤال اكبر من سورية واكبر من الحدود، فبعد هرمز أصبحت قيمة الطرق البديلة أعلى، واصبح الموقع الجغرافي جزءا من الأمن الاقتصادي، والأردن يملك العقبة والموقع والخدمات اللوجستية، بينما تمتلك سورية الامتداد نحو المتوسط، وإذا التقت هذه الجغرافيا مع رأس المال الخليجي والموارد والأسواق العراقية، فقد تتشكل شبكة اقتصادية جديدة.
لهذا تبدو رسالة الملك واضحة في جوهرها، الأردن لا يريد فقط حماية حدوده ومياهه، بل يريد تحويل موقعه إلى قوة اقتصادية، وسورية المستقرة قد تكون المفتاح الشمالي لهذا التحول، ومن هرمز إلى اليرموك، يبدو أن المعركة المقبلة ليست فقط على أمن المنطقة، بل على شكل طرقها وممراتها واقتصادها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية