اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

هل كان 7 أكتوبر مفاجأة أم فرصة سياسية؟... ما الذي كان يعرفه نتنياهو بشأنه

{title}
أخبار الأردن -

قال الكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي إن الخطابات الدولية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتت تمثل نموذجًا صارخًا، لاستخدام التضليل السياسي وإعادة بناء السرديات بما يخدم الموقف الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن بعيدًا عن هذا النهج، في ظل محاولة نتنياهو مواجهة ما وصفه بالعزلة الدولية والملاحقات القضائية الدولية من خلال إعادة تقديم روايات سبق أن خضعت للتدقيق والنقاش.

وأوضح في حديثٍ خاص مع صحيفة أخبار الأردن الإلكترونية، أن نتنياهو حاول في خطابه تقديم جملة من الأرقام والوقائع المتعلقة بالمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مستندًا إليها لنفي الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل، ومن بينها اتهامات الإبادة الجماعية، متسائلًا، على لسان نتنياهو، كيف يمكن وصف إسرائيل بأنها ترتكب إبادة جماعية في الوقت الذي أدخلت فيه، بحسب قوله، مليوني طن من الغذاء إلى غزة وقدمت مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال.

وبيّن البستنجي أن هذا الطرح، وفق ما يراه، يتجاهل الصورة الأوسع للوضع الإنساني في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الرقم المتعلق بكميات الغذاء مصدره الرقابة العسكرية الإسرائيلية ولم يخضع، بحسب النص، للتحقق الدولي المستقل، في حين أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المدعوم أمميًا، وقوع مجاعة حقيقية وحادة في مناطق من القطاع.

وأشار إلى أن حملات التطعيم ضد شلل الأطفال قادتها منظمة الصحة العالمية واليونيسف والأونروا، معتبرًا أن الدور الإسرائيلي اقتصر على عرقلتها قبل القبول بهدن مؤقتة تحت الضغط الدولي.

ولفت البستنجي إلى أن العدوان الإسرائيلي، وفق الأرقام الواردة في النص، خلّف أكثر من 74 ألف شهيد ونحو 175 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلًا عن تدمير ما بين 70 و80 بالمئة من البنية التحتية والمباني السكنية في القطاع، مشيرًا إلى أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان أكدت، بحسب النص، أن إسرائيل ارتكبت أفعالًا تقع ضمن تعريف "الإبادة الجماعية".

المستوطنون.. "حفنة أحداث" أم منظومة عنف متصاعدة؟

وفي ملف الضفة الغربية، قال البستنجي إن نتنياهو حاول اختزال عنف المستوطنين في مجموعة محدودة من الأحداث والأفراد، عندما وصف الاعتداءات بأنها ناتجة عن "حفنة من الأحداث" و"عدد محدود من المراهقين المنحرفين"، مقدمًا المستوطنين باعتبارهم أشخاصًا مسالمين يحترمون القانون.

وأضاف أن هذه الرواية، وفق البيانات التي يستند إليها، تتناقض مع ما تظهره أرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مشيرًا إلى أن هجمات المستوطنين ارتفعت لتسجل 1835 هجومًا ممنهجًا، فيما بلغ معدل الاعتداءات خلال الأشهر الأولى من العام الجاري نحو 190 هجومًا شهريًا.

وأوضح أن هذه الاعتداءات، بحسب ما أورده، لم تبقَ في إطار أحداث فردية متفرقة، وإنما أسهمت في تهجير 123 تجمعًا فلسطينيًا بصورة كلية أو جزئية، فضلًا عن سقوط عشرات الشهداء برصاص المستوطنين، في ظل حماية الجيش الإسرائيلي.

وأشار البستنجي إلى أن خطورة هذه الوقائع، من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الذي يحاول اختزال ظاهرة العنف الاستيطاني في أفراد محدودين، وبين الأرقام التي تعكس، بحسب قوله، ظاهرة أكثر اتساعًا وتأثيرًا في حياة الفلسطينيين ومجتمعاتهم.

روايات "حرق الأطفال".. حين تتحول المعلومة إلى سلاح سياسي


وفيما يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر، قال البستنجي إن نتنياهو أعاد استحضار الروايات العاطفية المرتبطة بـ"حرق الأطفال وقطع رؤوس الرضع"، معتبرًا أن إعادة إنتاج هذه الروايات تأتي في سياق محاولة استدرار التعاطف الدولي وتثبيت رواية سياسية تخدم الحرب على غزة.

وأضاف أن تحقيقات صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، والتي استندت إلى بيانات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية وإفادات قادة الكيبوتسات والشرطة، دحضت، بحسب النص، عددًا من هذه الروايات، وأكدت التقارير الرسمية عدم وجود دليل على قطع رؤوس الرضع أو حرقهم أحياء.

وأشار البستنجي إلى أن وسائل إعلام غربية كبرى تناولت هذه الروايات باعتبارها جزءًا من دعاية موجهة، مستطردًا أن المشكلة تكمن في توظيف المعلومات سياسيًا لتكوين صورة ذهنية لدى الرأي العام الدولي يمكن استخدامها لاحقًا لتبرير العمليات العسكرية.

من "المفاجأة المطلقة" إلى سؤال: ماذا كان يعرف نتنياهو؟

وانتقل البستنجي إلى ما وصفه بالجانب الأكثر خطورة في القضية، والمتمثل في مسألة المعرفة المسبقة بما كان يجري الإعداد له قبل السابع من أكتوبر.

وقال إن التحقيقات الاستقصائية والصحفية كشفت، أن فرضية "المفاجأة المطلقة" التي جرى تقديمها لتفسير أحداث السابع من أكتوبر لم تكن، في رأيه، سوى غطاء سياسي، مشيرًا إلى أن تحقيقات نشرتها صحيفة "هآرتس"، إلى جانب تقارير لوكالات دولية مثل CNN ونيويورك تايمز، تحدثت عن تحذيرات وصلت إلى القيادة الإسرائيلية قبل الهجوم.

وأضاف أن هذه التحذيرات تضمنت معلومات صريحة، بحسب النص، تفيد بأن حركة حماس، ويحيى السنوار تحديدًا، كانا يخططان لتنفيذ عملية واسعة، موضحًا أن نتنياهو تعامل مع التحذير بهدوء، واعتبر أن تقديراته تشير إلى أن حماس كانت تركز جهودها على الضفة الغربية، وفقًا لما صرّح به البستنجي لمؤسسة مسارات الأردنية للتنمية والتطوير.

وأشار إلى أن الجانب الأكثر إثارة للجدل، وفق قراءته، يتمثل في أن نتنياهو تعمد عدم إطلاع قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ومن بينهم الشاباك والجيش، على مضمون التحذير المباشر، الأمر الذي يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الفشل الاستخباراتي التقليدي إلى طبيعة القرار السياسي وكيفية إدارة المعلومات التي سبقت الهجوم.

ولفت البستنجي إلى أن المسألة، وفق هذا المنظور، تتعلق بالسؤال عن طبيعة المعلومات التي كانت متوافرة لدى القيادة السياسية، وكيف جرى التعامل معها، ومن اتخذ قرار التقليل من شأنها أو عدم تعميمها على الأجهزة المعنية.

السجن والاحتجاجات.. هل صنعت الحرب مخرجًا لنتنياهو؟

وفي سياق آخر، قال البستنجي إن فهم خلفيات التعامل السياسي مع أحداث السابع من أكتوبر يقتضي العودة إلى الظروف الداخلية التي كان يواجهها نتنياهو قبل الحرب.

وأضاف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان يعيش أزمة داخلية غير مسبوقة وانقسامًا مجتمعيًا حادًا بسبب التعديلات القضائية، بالتزامن مع محاكمته الجنائية في قضايا تتعلق بالفساد والرشوة وخيانة الأمانة.

وأشار البستنجي إلى أن اندلاع الحرب أدى إلى تغيير المشهد السياسي الداخلي بصورة جذرية، إذ تراجعت الاحتجاجات الداخلية أمام أولوية الحرب، وأصبحت حالة الطوارئ والأمن هي العنوان الأبرز للمشهد السياسي.

واعتبر أن نتنياهو وجد في استمرار حالة الحرب وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية وتأجيل الاستحقاقات السياسية والقضائية، تحت شعار أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

وأوضح البستنجي أن هذا الأمر، بحسب قراءته، لا يمكن فصله عن طبيعة الأزمة السياسية التي سبقت الحرب، ولا عن مصلحة نتنياهو في الحفاظ على موقعه السياسي في ظل الضغوط التي كانت تحاصره.

سياسة "إبقاء حماس".. الانقسام الفلسطيني كخيار سياسي؟

وقال البستنجي إن سياسة نتنياهو تجاه حركة حماس لم تبدأ مع السابع من أكتوبر، وإنما تعود إلى سنوات سابقة، مشيرًا إلى ما وصفه باستراتيجية "إبقاء حماس".

وأضاف أن نتنياهو اعتمد طوال عقد من الزمن، بحسب النص، على سياسة تغذية الانقسام الفلسطيني، من خلال السماح بدخول الأموال إلى قطاع غزة، بهدف إضعاف السلطة الفلسطينية في رام الله، بما يوفر، وفق هذه الرؤية، مبررًا سياسيًا دائمًا أمام المجتمع الدولي بأن "ليس هناك شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه لإقامة دولة".

وأشار إلى أن هذه السياسة التي كان يُنظر إليها باعتبارها أداة لإدارة الصراع الفلسطيني، انقلبت، بحسب تعبيره، بصورة كارثية في السابع من أكتوبر، بعدما تحولت حركة حماس من ورقة تستخدم في الحسابات السياسية الإسرائيلية إلى الطرف الذي نفذ الهجوم الأكبر داخل إسرائيل.

وأضاف البستنجي أن المفارقة تكمن في أن السياسة التي هدفت إلى إدارة الانقسام وإضعاف الطرف الفلسطيني المنافس لحماس، انتهت إلى واقع أمني وسياسي أكثر تعقيدًا، وأدخلت إسرائيل والمنطقة بأكملها في حرب واسعة.

هل أصبحت إطالة الحرب شرطًا لبقاء الحكومة؟

وفي المحور الأخير، قال البستنجي إن استمرار الحرب يرتبط، بحسب قراءته، بمستقبل نتنياهو السياسي، موضحًا أن أي وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسية قد يفتح الباب أمام تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة تبحث في الإخفاق الأمني الذي سبق السابع من أكتوبر.

وأضاف أن مثل هذه اللجنة قد تضع أداء الحكومة والأجهزة الأمنية والسياسية تحت المجهر، وهو ما يجعل مسألة تشكيلها واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الإسرائيلي.

وأشار البستنجي إلى أن نتنياهو، وفق هذا التحليل، يواجه معادلة سياسية شديدة التعقيد؛ فكلما استمرت الحرب بقيت الأولوية للملف الأمني، وكلما انتهت الحرب اقترب موعد الحساب السياسي حول ما حدث قبل السابع من أكتوبر وخلاله.

واعتبر أن توسيع جبهات الحرب وإفشال مسارات التفاوض، وفق ما يطرحه في النص، يمكن قراءته في إطار محاولة ضمان استمرار الحكومة لأطول فترة ممكنة، باعتبار أن انتهاء الحرب قد يعيد الملفات الداخلية والقضائية والسياسية إلى واجهة المشهد.

بين خطاب الأمم المتحدة وأسئلة ما بعد الحرب

وفي ختام حديثه، قال البستنجي إن خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي شهد انسحاب وفود عشرات الدول تعبيرًا عن رفض ما اعتبرته هذه الوفود رواية إسرائيلية مرفوضة، يعكس، في رأيه، حجم المعركة الدائرة حول الرواية السياسية للحرب.

وأضاف أن القضية، في جوهرها، لا تتعلق فقط بخطاب سياسي أمام المجتمع الدولي، وإنما بمحاولة إعادة تعريف ما حدث، وتحديد من يتحمل المسؤولية، وكيف يمكن تفسير الحرب والنتائج التي ترتبت عليها.

وأشار البستنجي إلى أن الضحية الأساسية، وفق رؤيته، هي الشعب الفلسطيني الذي يدفع ثمن الحرب الإسرائيلية، فيما تكشف الوثائق والتحقيقات التي يستند إليها عن أسئلة عميقة تتعلق بأداء القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر وبعده.

ونبّه إلى أن السؤال لم يعد، وفق هذا الطرح، مقتصرًا على ما إذا كان نتنياهو قد أخفق في منع السابع من أكتوبر، إذ انتقل إلى سؤال أكثر خطورة يتمثل بماذا كان يعرف قبل وقوعه؟... وكيف تعامل مع التحذيرات؟... ولماذا استمرت الحرب؟... ومن المستفيد سياسيًا من بقائها مفتوحة؟.

وبحسب البستنجي، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تكشف الفارق بين "الفشل السياسي" و"الاستغلال السياسي"، وبين رواية المفاجأة الكاملة وما قد تكشفه الوثائق والتحقيقات من تفاصيل حول إدارة إسرائيل للأحداث التي سبقت السابع من أكتوبر وتلك التي أعقبته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية