اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أزمة حقول الثانوية العامة تباغت الطلبة الآن

{title}
أخبار الأردن -

حذّر رئيس معهديّ أميركا الشمالية التقني واللغوي في واشنطن لدكتور عبد السلام المعلا من أن تداعيات تصميم مسارات التعليم الثانوي بدأت تنتقل من إطار النقاش النظري إلى واقع ملموس عند بوابة القبول الجامعي، مضيفًا أن التحذيرات التي أُطلقت قبل نحو تسعة أشهر بشأن حصر قرابة 70 ألف طالب في الحقل الصحي دون دراسة الرياضيات والفيزياء تعود اليوم إلى الواجهة، مع فتح المجال أمام هؤلاء الطلبة للتقدم إلى تخصصات جامعية هندسية تقوم في أساسها على هذين المجالين.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن التحذير الذي أُطلق في شهر كانون الأول الماضي انطلق من سؤال جوهري يتعلق بمدى اتساق المسار المدرسي مع متطلبات المرحلة الجامعية اللاحقة، مضيفًا أن الطالب الذي يُوجَّه منذ المرحلة الثانوية نحو حقل لا يدرس فيه الرياضيات والفيزياء بصورة كافية، قد يجد نفسه لاحقًا أمام تخصص جامعي يشترط معرفة عميقة بهما.

وأشار المعلا إلى أن السماح لطلبة الحقل الصحي بالتقدم إلى تخصصات هندسية، من بينها الهندسة الطبية، والهندسة الحيوية، والهندسة الكيميائية، يعيد طرح السؤال الذي سبق التحذير منه، والمتعلق بكيفية تهيئة طالب لم يُهيأ مساره المدرسي في الرياضيات والفيزياء أن ينتقل بصورة مباشرة إلى تخصص هندسي يشكل هذان المجالان أساسًا معرفيًا له؟.

ولفت إلى أن القضية لا تتمثل في فتح الأبواب أمام الطلبة، فهم يمتلكون الأدوات العلمية التي تمكنهم من عبور هذه الأبواب والنجاح داخلها، مشيرًا إلى أن توسيع خيارات القبول الجامعي يظل هدفًا إيجابيًا من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى منظومة تعليمية متماسكة تضمن ألا يتحول هذا التوسع إلى انتقال شكلي بين المسارات من دون تأهيل أكاديمي حقيقي.

المشكلة ليست في توسيع الخيارات.. بل في طريقة بنائها

وأوضح أن جوهر الإشكالية يكمن في تصميم المسار التعليمي من نقطة البداية، وليس في القرارات التي تُتخذ لاحقًا لتوسيع نطاق التخصصات التي يستطيع الطالب التقدم إليها.

وذكر المعلا أن المسار المدرسي في جوهره عملية بناء تدريجي للمعارف والمهارات التي يفترض أن تقوده إلى خيارات أكاديمية ومهنية لاحقة، وعندما يُصمم المسار من دون ربط واضح بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما سيحتاج إليه في الجامعة، فإن الفجوة تظهر في مرحلة متأخرة، عندما يصبح علاجها أكثر صعوبة.

ولفت إلى أن القرارات الاستدراكية التي تُتخذ بعد ظهور المشكلة قد تفتح من الناحية الإجرائية بابًا أمام الطالب، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن توفر له خلال فترة قصيرة الأساس العلمي الذي كان يفترض أن يبنيه على مدى سنوات.

وأضاف المعلا أن السماح لطالب الحقل الصحي بالتوجه إلى تخصص هندسي لا يعني تلقائيًا أنه أصبح مؤهلًا أكاديميًا لدراسة الهندسة، لأن الأهلية الجامعية لا ترتبط فقط باسم الحقل الذي يأتي منه الطالب أو بالقائمة الرسمية للتخصصات المسموح له بالتقدم إليها، وإنما ترتبط كذلك بالمحتوى العلمي الذي تلقاه، والمهارات التي اكتسبها، ومستوى إتقانه للمواد الأساسية التي يقوم عليها التخصص الجامعي.

من المدرسة إلى الجامعة.. منظومة واحدة

ونوّه إلى أن التعليم لا يمكن التعامل معه بوصفه حلقات منفصلة؛ فالثانوية العامة والجامعة، في هذه الحالة، تمثلان مسارين متصلين، وأي تغيير في المرحلة الأولى ستكون له نتائج مباشرة في المرحلة الثانية.

وأشار إلى أن إعادة تصميم مسارات الثانوية تستوجب، قبل اعتمادها، النظر إلى خريطة التخصصات الجامعية ومتطلبات كل تخصص، بحيث لا يُترك الطالب أمام مفاجآت عند انتقاله من المدرسة إلى الجامعة.

وقال المعلا إن المطلوب هو بناء خريطة أكاديمية واضحة تحدد منذ البداية العلاقة بين الحقول المدرسية والتخصصات الجامعية، بحيث يعرف الطالب، والأسرة، والمدرسة، والجامعة، بصورة مسبقة، ما الذي يتيحه كل مسار وما الذي يتطلبه كل تخصص.

وأضاف أن هذه الخريطة يجب ألا تقتصر على تحديد التخصصات التي يستطيع الطالب التقدم إليها إداريًا، وإنما ينبغي أن تتضمن أيضًا المتطلبات العلمية الفعلية لكل تخصص، خصوصًا في المجالات التي تعتمد على تراكم معرفي لا يمكن تعويضه بسهولة في وقت قصير.

سؤال الرياضيات والفيزياء يعود إلى الواجهة

وأشار المعلا إلى أن قضية الرياضيات والفيزياء تكشف بصورة واضحة طبيعة الإشكال، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتخصصات هندسية تتطلب أساسًا علميًا متينًا في هذين المجالين.

وأوضح أن الطالب الذي لم يحصل خلال المرحلة الثانوية على دراسة كافية في الرياضيات والفيزياء قد يواجه عند دخوله تخصصًا هندسيًا تحديًا لا يتعلق فقط بالقبول، وإنما بالقدرة على استيعاب المقررات الجامعية التي تبنى على هذه المعارف.

واستطرد المعلا قائلًا إن الحديث عن توسيع القبول يجب أن يترافق، بالتالي، مع حديث موازٍ عن تأهيل الطالب للقبول والنجاح معًا؛ ففتح باب التخصص أمام الطالب يمثل خطوة أولى، لكن ضمان امتلاكه المتطلبات الأكاديمية اللازمة يمثل الجزء الأهم من المسألة.

ولفت إلى أن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى انتقال المشكلة من مرحلة القبول إلى مرحلة الدراسة الجامعية، حيث سيصبح السؤال بعد ذلك: لماذا أُتيح له التخصص من دون أن يحصل على الإعداد العلمي الكافي له؟.

القرارات الاستدراكية لا تكفي وحدها

وذكر المعلا أن معالجة الاختلالات بعد وقوعها قد تكون ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تصبح البديل عن التخطيط المسبق، مشددًا على أن أي إصلاح حقيقي لمسارات التعليم يحتاج إلى رؤية تستبق المشكلة بدل انتظار ظهورها عند القبول الجامعي.

وقال إن القرار التعليمي الذي يُتخذ في المرحلة الثانوية يجب أن يُنظر إلى نتائجه بعد عدة سنوات، لا فقط إلى أثره المباشر في لحظة اعتماده، لأن الطالب الذي يختار مسارًا اليوم قد يكتشف بعد عامين أو ثلاثة أن الخيارات التي يرغب فيها في الجامعة تحتاج إلى مواد لم يدرسها أصلًا.

وأضاف المعلا أن هذا النوع من الفجوات يمكن أن يخلق ارتباكًا لدى الطلبة والأسر، ويجعل القرارات المتعلقة بالمستقبل الأكاديمي مرتبطة بتعديلات لاحقة بدل أن تكون جزءًا من مسار واضح ومستقر منذ البداية.

المطلوب إعادة وصل حلقات المنظومة التعليمية

وشدد على أن تطوير التعليم لا ينبغي أن يقوم على معالجة كل مرحلة بمعزل عن الأخرى، وإنما على إعادة وصل حلقات المنظومة التعليمية ببعضها بعضًا، بحيث يكون هناك انسجام بين ما يدرسه الطالب في المدرسة، وما يستطيع التقدم إليه في الجامعة، وما يحتاجه فعلًا للنجاح في تخصصه.

وأوضح أن توسيع الخيارات أمام الطلبة يجب أن يكون جزءًا من رؤية أوسع لا مجرد استجابة لإشكالية قائمة، مؤكدًا أن الطالب لا يحتاج فقط إلى قائمة أطول من التخصصات المتاحة، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى مسار تعليمي يمنحه القدرة الحقيقية على اختيار تلك التخصصات.

وخلص المعلا إلى أن التحذير الذي أُطلق قبل تسعة أشهر يعود اليوم إلى الواجهة من زاوية أكثر وضوحًا؛ ذلك أن المسألة مرتبطة بمدى قدرتها على الانتقال بسلاسة من مقاعد المدرسة إلى قاعات الجامعة، مضيفًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تُرسم مسارات الثانوية العامة منذ البداية على ضوء خريطة التخصصات الجامعية ومتطلباتها، بحيث لا تضطر المنظومة التعليمية بعد سنوات إلى فتح أبواب أُغلقت سابقًا، أو معالجة فجوات كان يمكن تفاديها بتخطيط أكثر تكاملًا منذ اللحظة الأولى.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية