3 دول عربية بين فكي مشروعين خطيرين.. إلى أين تتجه المنطقة؟
قال الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والاجتماعي من الولايات المتحدة الأمريكية الدكتور علي النظامي إن التحولات المتسارعة في المنطقة لا يمكن، فهمها فقط من خلال الخلافات السياسية الراهنة أو تبدل الحكومات والقيادات، فهي تستدعي النظر إلى ما يعتبره مشاريع تاريخية متنافسة لدى أطراف إقليمية ودولية، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني والتيارات الإنجيلية من جهة، والمشروع الذي يصفه بالتاريخي لدى الفرس من جهة أخرى.
وطرح في تصريح خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية تساؤلًا أساسيًا حول طبيعة المشروع الإسرائيلي في صورته الحالية، معتبرًا أن إسرائيل الجديدة، بحسب رؤيته، لا تتعامل مع السلام مع الدول العربية بوصفه هدفًا نهائيًا، وإنما تنطلق من تصور يرى المنطقة محيطة بها ببيئة من الخصوم والأعداء.
وربط النظامي هذه الرؤية بما يعتبره خطابًا سياسيًا إسرائيليًا متكررًا، مستشهدًا بتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي قرأها باعتبارها تعبيرًا عن تصور يرى إسرائيل في مواجهة محيط إقليمي معادٍ.
إسرائيل وحدود المشروع التاريخي
وذهب إلى أن جوهر المسألة، يتجاوز الموقف من إقامة دولة فلسطينية أو ترسيم الحدود مع الدول العربية، ليصل إلى ما يعتبره تصورًا تاريخيًا أوسع لدى الحركة الصهيونية والتيارات الإنجيلية المتحالفة معها.
ورأى النظامي أن هذا التصور يستند إلى فكرة استعادة ما يسمى، في الخطاب الديني والسياسي المرتبط بهذه التيارات، بـ"إسرائيل التوراتية الكبرى"، معتبرًا أن القضية بالنسبة إلى أصحاب هذا المشروع ليست مجرد استراتيجية سياسية عابرة، وإنما امتداد لرؤية تاريخية تشكلت على مدى أجيال.
وربط بداية هذا المسار بمؤتمر بازل عام 1897، معتبرًا أن الحركة الصهيونية تعاملت منذ ذلك الوقت مع إقامة المشروع اليهودي في فلسطين باعتباره هدفًا تاريخيًا ممتدًا، وأن تطورات السياسة الإسرائيلية الراهنة ينبغي أن تُقرأ، في رأيه، ضمن هذا السياق الأوسع.
وأشار النظامي إلى أن البعد الديني يحتل مكانة مهمة في هذه القراءة، خصوصًا مع حضور التيارات الإنجيلية في دعم إسرائيل، معتبرًا أن تداخل الاعتبارات الدينية والسياسية يجعل المشروع، وفق تقديره، أكثر استمرارية من ارتباطه بشخصية سياسية محددة أو حكومة بعينها.
من نتنياهو إلى أي قيادة إسرائيلية مقبلة
ورفض، في هذا السياق، اختزال القضية في شخص بنيامين نتنياهو، أو الاعتقاد بأن رحيله عن السلطة سيؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في الاتجاه الاستراتيجي الإسرائيلي.
وقال النظامي إن الرهان على وصول شخصية إسرائيلية أخرى، مثل غادي آيزنكوت، باعتباره تحولًا تلقائيًا في السياسة الإسرائيلية تجاه المنطقة، يحتاج إلى قراءة البرامج والمواقف السياسية الفعلية لكل مرشح، بدل الاكتفاء بتغيير الأسماء.
واعتبر أن الحكومات والقيادات الإسرائيلية المتعاقبة يمكن أن تختلف في التكتيكات والأدوات، لكنها قد تتحرك، وفق قراءته، ضمن إطار استراتيجي أوسع تضعه المؤسسات والتيارات السياسية والفكرية الممتدة داخل المجتمع الإسرائيلي.
ومن هنا، نوّه النظامي إلى أن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير المشروع، لأن ما يسميه "المشروع التاريخي الإسرائيلي" لا يرتبط بشخص واحد، وإنما بمجموعة من التصورات التي تتجاوز دورة انتخابية أو حكومة بعينها.
الأراضي العربية في الحسابات الإسرائيلية
وحذّر الدول العربية المحيطة بإسرائيل، معتبرًا أن لبنان وسوريا والأردن ومصر معنية مباشرة بقراءة التطورات من منظور يتجاوز الحدود السياسية القائمة.
وأشار النظامي إلى جنوب لبنان ومرتفعات الجولان وجبل الشيخ وجنوب سوريا، إذ إن هناك تساؤلات بشأن سيناء، مستندًا إلى قراءات دينية وتاريخية يعتبر أنها تُستخدم لتحديد المجال الجغرافي للمشروع الإسرائيلي.
وقال إن ما يجري على الأرض في جنوب لبنان والجولان وجنوب سوريا يستدعي، من وجهة نظره، الانتباه إلى العلاقة بين الوقائع العسكرية والسياسية وبين التصورات التاريخية التي تحكم بعض التيارات الإسرائيلية.
في المقابل.. المشروع الفارسي
وفي الجانب الآخر من المعادلة، وضع النظامي ما يسميه "حركة الفرس التاريخية"، معتبرًا أن إيران لا تتحرك، وفق قراءته، فقط وفق اعتبارات الدولة الحديثة ومصالحها المباشرة، وإنما توجد في خلفية مشروعها السياسي تصورات تاريخية تتصل بمكانة إيران ونفوذها الإقليمي.
وذهب إلى أن هذا المشروع يمتد، بحسب رؤيته، إلى بلاد الشام والحجاز ودول الخليج العربي، ويستند في ذلك إلى ما يصفه بالمراجع التاريخية الإيرانية التي تتناول تاريخ إيران منذ العصور القديمة وحتى نهاية العهد الساساني.
واستشهد النظامي تحديدًا بكتاب المؤرخ الإيراني حسن بيرنيا "تاريخ إيران القديم من البداية حتى نهاية العهد الساساني" بوصفه مرجعًا يرى أنه يساعد على قراءة الجذور التاريخية التي يستند إليها في طرحه.
المنطقة بين مشروعين تاريخيين
وخلص إلى أن المنطقة تقف أمام تداخل بين مشاريع ذات أبعاد تاريخية ودينية وقومية، الأمر الذي يجعل الدول العربية مطالبة، بحسب رؤيته، بإعادة قراءة أمنها الإقليمي على أساس طويل المدى.
وحذّر النظامي من التعامل مع التحولات باعتبارها أحداثًا منفصلة، لأن تغيير حكومة أو توقيع اتفاق أو اندلاع مواجهة عسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء المشاريع التي تقف خلف هذه الأحداث.
ورأى أن الصراع الإقليمي يفهم من خلال الأفكار والروايات التاريخية التي تستند إليها الأطراف المختلفة، داعيًا إلى التعامل مع هذه التحولات بوعي استراتيجي يأخذ في الحسبان الأمن الوطني للدول العربية، وحدودها، ومصالحها، وطبيعة المشاريع الإقليمية التي تتحرك من حولها.







