عبدالهادي راجي يكتب: ثقافة العيب ....دولة رئيس الوزراء
عبدالهادي راجي
أنت تعرف هذا المصطلح (ثقافة العيب) ...هو مجرد كذبة ابتكرتها وزارة العمل في مطلع الألفية وروجتها في الإعلام لتبرير فشلها المتراكم في ضبط سوق العمل ، ولتبرير فشلهم في تشغيل الأردني ، ودعني أقص لك حكاية الأردني والعمل .
اللويبدة من الأحياء الجميلة في عمان ، من أول شارع الشريعة وحتى دوار باريس وإذا دخلت شوارعها وأزقتها ستكتشف فيها نموذجا مهما ورائعا لم تعرف وزارة العمل ولا حتى وزراء العمل التأسيس عليه وهو : جميع المقاهي هناك ، ومحلات الأطعمة والحلويات والإكسسوارات والزينة والخدمات الصحية ..جميعها تشغل فتية (أردنيين) ..من النادر أن تجد في اللويبدة عاملا وافدا .
في أحد المقاهي أول أمس ، من قدم لنا القهوة صبية في أول العشرين ، تدرس القانون في جامعة خاصة وتعمل نادلة ، تتقاضى من المقهى (350) دينارا ..ومن ما يسمى (البقشيش) تتقاضى ما يقارب ال (150) دينارا ، وتنفق على نفسها ..وتساعد والدتها ، والجميع من رواد المقهى يحترمونها ويبتسمون في وجهها ويقدرون ما تفعله .
لننسى قصة المقهى ، في ثاني أو ثالث دخلة على اليمين ، وأنت تمشي باتجاه دوار باريس بعد مسجد الشريعة ، ستجد مطعما بسيطا للأكلات الشعبية ، المطعم تديره فتاة جامعية ، بمصاحبة شقيقتها التي تدرس ، ويقومون بطبخ وجبات شعبية في المنزل وتقدم للناس هناك بأسعار لا تتجاوز ال (4) دنانير للوجبة ، المكان نظيف جدا والوجبات ممتازة ومشبعة ومستوى النظافة عال ، والأجانب يوميا يأكلون من مطعمها ، وأنت لا تستمتع بالطعام هناك بقدر استمتاعك بتفاني بنات أردنيات في عمر الورد وانخراطهن في سوق العمل ، وحصولهن على الإكتفاء .
هل الأردني يعزف عن العمل ؟؟؟..كذبة ابتكرتها الوزارة وتروجها في كل المناسبات ، لو كان الأردني يعزف عن العمل لما وجدت عشرات عمال الوطن في أمانة عمان ممن يحملون الدرجة الجامعية ، وتقدموا للوظيفة على شهادة التوجيهي ، وحصلوا عليها ..ونزلوا للشوارع ونظفوا ولم يخجلوا من الرزق الحلال ، فقط راجعوا كشوفات وملفات عمال النظافة في أمانة عمان .
لو كان الأردني رهين ثقافة العيب ، لما وجدت مهندسا مدنيا من عائلة محترمة ومقدرة في البلد يعمل على التطبيقات ، ويفتخر بأنه من عمله تمكن من سداد ثمن السيارة ويعيل نفسه ، هذا المهندس سرد لي قصته في الإسبوع الماضي حينما طلبته عبر تطبيق (أوبر) وتسامرنا وتحدثنا طويلا في خضم الأزمة التي تشهدها العاصمة ، كم كنت فخورا بالفتى وكم كنت لحظتها فخورا بأردنيتي .
دولة الرئيس :
هذه الوزارة تنتج من الأزمات أكثر مما تنتج حلولا ، فقط راجعوا سجل الذين يعملون على (السكوتر) في عمان ويقومون بتوصيل الطلبات ، راجعوا أخلاقهم على أبواب الناس ، تقديرهم احترامهم ، وما يحظون به في المجتمع من مكانة ..صارت إشارات عمان حين يقفون عليها ، يطلق البعض لهم (الزوامير) ويسلمون عليهم كتحية على كدهم وتعبهم في حرارة الصيف اللاهبة ، نسبة كبيرة من هؤلاء يملكون شهادات جامعية ، نسبة كبيرة منهم يعيلون أسرا ..ولو أن دائرة السير فتحت المجال للوافدين كي يأخذوا بسهولة رخصة (السكوتر) لاستولوا فورا على هذا القطاع ودمروه .
دولة الرئيس :
في شارع منزلي (وصفي ميرزا) تصطف العمارت ، وحين يغادر حارس العمارة المكان ، ويقرر العودة النهائية لبلده ، يوجد هناك مايسمى (الخلو) يحضر على الفور عاملا اخر ويسلمه وظيفته (كحارس عمارة) مقابل (3000) الالاف دينار وأحيانا يصل الرقم لما هو أعلى من ذلك ، العامل الوافد صار يقوم بالسمسرة على عقاراتنا ، ويقرر منى يغادر ومتى يعود ، والغريب أن وزارة العمل وبكل طواقمها لم تقم يوما بجولة على حراس العمارات في تلاع العلي أو أم السماق ، في الجبيهة أو خلدا أو المدينة الرياضية ...صاروا (حراس العمارات) يعرفون مضخات الماء التي نستعملها وأرقام خزانات مياهانا ، والأهم أنهم صاروا شركاء في العقار فهم يقومون (بالسمسرة) علينا كيفما اتفقوا ومتى قرروا ...سؤال هل قامت فرق وزارة العمل المؤللة والمحمولة جوا وبرا يوما بجولة تفقدية على حراس العمارات ، وتفقدت تصاريحهم ؟
في ذات الشارع لدينا محل تجاري ضخم ، جميع من يعملون فيه من الوافدين ..واخر مشكلة تعرض لها مواطن أردني مع عامل وافد ، أجبرته أن يحضر الشرطة ، بالمقابل المحل الموازي له يشغل فقط شبابنا ، ولايوجد فيه أي وافد ، صرنا جميعا نتجه إليه ..لأن الدينار الذي نمنحه للأردني حين يوصل حاجياتنا سيبقى في البلد ، ولن يهرب إلى الخارج ..أولاد البلد أولى بخبزنا .
راقب الكازيات (توتال ) و(المناصير ) شركات عالمية ، من يعمل فيها أغلبهم من أولاد البلد ، راقبوا الإحترام ، النظافة ، الخدمة المتميزة ..بالمقابل (جوبترول) شركة أردنية ، راقبوا حجم النصب والإحتيال الذي تمارسه محلات (البناشر) وغيار الزيت الملحقة والمؤجرة للوافدين .
هل أفصح أكثر عن كذبة ثقافة العيب ...
مكة مول والسيتي مول من المرافق الحيوية في البلد ، لماذا لايوجد في محلات الملابس هناك ومحلات الإكسسوارات والمطاعم الكثير من الوافدين ، ببساطة لأن الخدمة ستكون (زبالة) بالمعنى الحرفي ، ولكن محل مثل (زارا) حين يقيم خصما يصل إلى (50%) في نهاية الصيف يتوافد الناس عليه ، من يعملون فيه جميعهم من الأردنيين (صبايا وشباب ) فقط راقبوا هندامهم نظافتهم حجم الإحترام وطرق التعامل .
أدعوا رئيس الوزراء ووزير العمل للتجول في اللويبدة مساء ، اللويبدة بصراحة نظيفة ، وجميلة ... والتراث فيها يحضر حتى في الأشجار ووجوه الناس ، وهي محج لمن يريدون المشي وشرب القهوة ومقابلة الأصدقاء ، السبب بسيط المحلات والمشاريع الصغيرة فيها نجحت لأنها تعين فقط أبناء البلد ...
(30) عاما ووزارة العمل تكذب باسم ثقافة العيب ، (30) عاما وبورصة التصاريح للعمالة الوافدة ، هي سوق للتنفيع والسمسرة والسرقة ، (30) عاما والأردني يعاني من البطالة ، والمشكلة أنه بدلا من توفير العمل لهم يطل السادة النجب من الوزارة في مؤتمراتهم ويخبروننا دائما أننا مصابون بمتلازمة ثقافة العيب .
القطاع الوحيد الذي ظل أردنيا ، وهذا نشكر فيه وزارة العمل لأنه لا سلطة لها عليه هو قطاع (الشحادة على الإشارات) أو قطاع التسول ..هو القطاع الوحيد الذي ظل أردنيا ولم تدخله العمالة الوافدة للأسف ، ويسجل لوزارة العمل هذا الإنجاز كونها لم تتدخل في تنظيم (التسول) أو عمل مشاريع له ، أو تقديم دراسات في سبيل تطويره أو خصخصته .
وفي النهاية يطل عليك أحد الذين يحبون التعليق على المقال ويقول لك : (المصري أخوي والأرض لله والرزق للجميع ) ..حين ننتفض لأجل أنفسنا ، وحين نريد لشبابنا أن يعملوا وحين نريد للبطالة أن تشنق أو تنتهي نصبح (كفارا) في عرف البعض ، وهل أن ضد مصر مثلا ..إذا انتصرت لدمي هل أنا ضد مصر ؟ أنا لم أعد أعرف ماهي العقلية التي تحكم الرأي لدينا وتحكم الخلاف .
معالي وزير العمل
فقط ابعث فريقا من وزارتك ، فقط ليقوم بالتدقيق على الإنفلات في الشارع الذي أسكن به ، وهو يعتبر من الشوارع الهادئة في عمان ...دقق على المحلات كي تكتشف حجم الفوضى في التصاريح ، دقق على العمارات كي تكتشف حجم السمسرة واللف والدوران واللصوصية ...عماراتنا مستباحة لكل وافد ، محلات البقالة مستباحة ، قهوتنا مستباحة ، خضارنا ..وسؤالي للذين يتباكون على العمال الوافدين هل سيحمل هؤلاء السلاح ويقاتلون معنا ، إذا مس البلد ضيم ، هل سيدفعون من جيوبهم لنا ، في حال حاصرتنا أزمة نفط أو ماء أو خبز ...هؤلاء جاءوا فقط من أجل قوة الدينار ومن أجل الدولار .
عبدالهادي راجي







