العثامنة يكتب: الأردن بين خطر الخارج واستحقاق الداخل
مالك العثامنة
لم يعد ممكنا في الأردن اليوم أن توضع ملفات الإقليم في درج، وملفات الداخل في درج آخر، فقد أصبحت المسافة بين صاروخ يعبر الحدود، وتوتر في الضفة الغربية، وتحول أمني في الجنوب السوري، وبين قرار إداري أو سياسي في عمان، أقصر بكثير مما كانت عليه قبل سنوات.
فالبلد الذي اعتاد طوال عقود إدارة مخاطر الجوار من خلف حدوده، يجد نفسه اليوم أمام بيئة مختلفة، ليس لأن الأزمات من حوله جديدة، بل لأن حدودها السياسية والأمنية أخذت تتداخل أكثر مع المجال الأردني نفسه.
في التاسع من سبتمبر/أيلول، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن عشرين صاروخا باليستيا أطلقت من الأراضي الإيرانية باتجاه المملكة، وأن الدفاعات الجوية اعترضت ثمانية عشر منها، فيما سقط صاروخان في مناطق خالية. وقبل ذلك، في يوليو/تموز، أعلن الجيش إسقاط ثمانية صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأراضي الأردنية.
وهنا تغيرت طبيعة المسألة، فالأردن لم يعد فقط في موقع الدولة التي تمر فوق أجوائها صواريخ متجهة إلى جبهات أخرى، بل دخل بصورة مباشرة في دائرة الاستهداف، وهذه مسألة لا تحتاج إلى الكثير من المبالغة في توصيفها، لأنها بحد ذاتها كافية لتغيير الحسابات الأمنية.
وفي التوقيت نفسه تقريبا، كانت السعودية تواجه موجات من الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدن ومنشآت حيوية ونفطية، بالتوازي مع توترات مباشرة في الخليج ومضيق هرمز، وليست الحالتان الأردنية والسعودية متطابقتين، فالأردن تعرض لصواريخ أطلقت من إيران مباشرة، بينما تتداخل في الحالة السعودية أدوات متعددة، بينها الحوثيون بوصفهم الذراع الأكثر وضوحا لطهران في الجزيرة العربية.
لكن المعنى السياسي واحد تقريبا، وهو أن مساحة الاشتباك الإقليمي تتسع، وأن الدول التي كانت تحاول البقاء عند حافة الصراع تجد نفسها أقرب إلى مركزه.
أما غربا، فالمشهد أكثر تعقيدا، وربما أكثر خطورة على المدى البعيد.
فما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد جولة جديدة من التصعيد الفلسطيني-الإسرائيلي، كما لا يمكن اختصاره بزيادة في الاستيطان أو ارتفاع في عنف المستوطنين، إذ ثمة عملية متدرجة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية نفسها، من خلال توسيع المستوطنات، ومشروع "E1"، وتقطيع التواصل بين المدن الفلسطينية، وخلق وقائع تجعل فكرة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وبالنسبة إلى الأردن، فهذه ليست قضية خارجية بالمعنى التقليدي، لأن أي تغيير جوهري في الضفة الغربية، وأي انهيار نهائي لفكرة الدولة الفلسطينية، وأي مسار يدفع نحو تهجير سكاني واسع، يصيب مباشرة واحدة من أكثر مناطق الأمن الوطني الأردني حساسية، فالضفة الغربية، تاريخيا وسياسيا وديموغرافيا، ليست مساحة بعيدة عن الأردن يمكن مراقبتها من خلف الحدود.
وفي الشمال، تبدلت صورة الخطر السوري من دون أن تختفي، إذ لم يعد التهديد الأساسي هو الفوضى التي أنتجتها سنوات الحرب فقط، بل السؤال عما سيستقر عليه الجنوب السوري نفسه، فالأردن يريد دولة سورية قادرة على بسط سلطتها وضبط حدودها، فيما تكرس إسرائيل وجودا عسكريا وأمنيا متزايدا في الجنوب، من القنيطرة إلى المناطق المحيطة بجبل الشيخ، وتتعامل مع تلك المنطقة باعتبارها جزءا من مجالها الأمني المباشر.
ومن هنا يمكن فهم الحركة الأردنية المكثفة تجاه دمشق، ومحاولات احتواء التصعيد في السويداء والجنوب، وكذلك استضافة عمان لقاءات تهدف إلى منع الانزلاق نحو صدام أوسع.
فالقضية بالنسبة إلى الأردن ليست من يحكم هذه البلدة أو تلك في الجنوب السوري، بل كيف يمكن منع نشوء فراغ جديد على حدوده، أو قيام ترتيبات أمنية تتشكل من دونه، وتفرض عليه لاحقا التعامل مع نتائجها.
وسط كل ذلك، جاء تعيين اللواء الركن مجدي الحراسيس رئيسا لهيئة الأركان المشتركة.
ولا ضرورة هنا للبحث عن دراما سياسية غير موجودة، فسلفه الفريق يوسف الحنيطي أدى مهمة طويلة في قيادة الجيش، والتغيير في مؤسسة بحجم القوات المسلحة يدخل أولا في منطق الاستحقاق الزمني والتداول الطبيعي للمواقع العليا.
لكن اختيار الحراسيس يحمل دلالة تتعلق بطبيعة المرحلة أكثر مما تتعلق بالأشخاص، فالرجل يأتي من خلفية استخبارية عميقة، وعمل مديرا للاستخبارات العسكرية، وله خبرة طويلة في ملفات الإرهاب والعمل الاستخباري المشترك، إضافة إلى تكوين تقني في علوم وهندسة الحاسوب، وهي مواصفات تصبح ذات معنى أكبر في زمن لم تعد فيه الجيوش تتعامل فقط مع الحدود والسلاح التقليدي، بل مع فضاء كامل من التهديدات السيبرانية والحرب الإلكترونية والمعلومات والطائرات المسيّرة والشبكات العابرة للحدود.
وقد التقيت الحراسيس قبل سنوات، حين كان مديرا للاستخبارات العسكرية، مرتين؛ الأولى بحضور سلفه الفريق يوسف الحنيطي، والثانية في جلسة منفردة في مكتبه، وخرجت من تلك الجلسة بانطباع عن إلمام استراتيجي واسع بالإقليم، خصوصا في ملف إيران التي كانت يومها تستهدف الأردن عبر الجنوب السوري بالمخدرات والأسلحة، وفي الملف الفلسطيني حيث أظهر قراءة مهنية ومتقدمة لما يجري في الضفة الغربية.
وفي موازاة إعادة ترتيب الأدوات الأمنية، ثمة حركة أخرى تجري في الداخل، وهي أقل ظهورا لكنها لا تقل أهمية، فعقل الدولة الأردنية يبدو منشغلا في هذه المرحلة بتثبيت المشهد المحلي على قاعدة استمرارية المؤسسات، لا جمودها، والاستقرار المقصود هنا ليس تعطيل السياسة أو تأجيل التغيير، بل منع المنطقة المضطربة من أن تنتج ارتباكا داخليا، في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى أعلى درجات التماسك المؤسسي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مسار حكومة جعفر حسان.
فالتعديل الحكومي الأوسع الذي كان متوقعا في منتصف أغسطس/آب لم يحدث، واقتصر ما جرى حينها على تغييرات محدودة ارتبط جزء منها بترتيبات دستورية وإدارية، أما التعديل السياسي الأوسع، فقد تأجل، وفق ما يدور في دوائر القرار، وبتوافق داخل مركز صناعة القرار نفسه، إلى فترة تسبق نهاية العام، مع ترجيحات بأن يكون في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
لكن أهمية التعديل، إن جرى بهذه الصورة، لن تكون في أسماء الوزراء الخارجين والداخلين، إذ إن هناك تفكيرا أكثر عمقا في طبيعة المشاركة الحزبية في الحكومة، يقوم على الانتقال من فكرة اختيار "أشخاص حزبيين" إلى اختبار قدرة الأحزاب نفسها على تقديم برامج قابلة للتنفيذ.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، فإذا أراد حزب ما أن يدخل الحكومة من بوابة السياحة، فعليه أن يقدم برنامجا فعليا للسياحة: ماذا يريد أن يفعل؟ وما المشاريع التي يستطيع تنفيذها؟ وما كلفتها؟ وما النتائج التي يمكن قياسها؟ والأمر نفسه ينطبق على الثقافة، أو الشباب، أو الإدارة المحلية، أو غيرها.
وبهذا المعنى تصبح المشاركة الحزبية في الحكومات انتقالا تدريجيا من التمثيل الرمزي إلى المسؤولية التنفيذية، فالحزب لا يدخل إلى مجلس الوزراء لأن أحد أعضائه يحمل بطاقة حزبية، بل لأن لديه برنامجا حزبيا يستطيع الدفاع عنه وتنفيذه، وتحمل مسؤوليته أمام الناس والبرلمان.
وهنا تحديدا يمكن أن يكتسب مشروع التحديث السياسي مضمونا عمليا لم يكن متاحا في سنواته الأولى، لأن اختبار الأحزاب الحقيقي لا يكون بعدد المقاعد التي تحصل عليها فقط، بل بقدرتها على التحول من خطاب سياسي عام إلى مشروع حكم وإدارة.
وفي السياق نفسه، يبدو ملف الإعلام الأردني مقبلا هو الآخر على مرحلة مراجعة أوسع.
فداخل الحكومة ثمة تفكير هادئ، لكنه جدي، بضرورة فتح ملف الإعلام بشموليته، لا باعتباره مشكلة مؤسسة بعينها أو خللا يمكن إصلاحه بتغيير أشخاص ومواقع، بل باعتباره جزءا من بنية الدولة الحديثة وطريقة تواصلها مع المجتمع.
وهذا التفكير ما يزال في طور التشكل، لكنه ينطلق من إدراك واضح بأن معالجة المشهد الإعلامي لا يمكن أن تتم بقرارات جزئية أو بردود أفعال موسمية، فالقضية أوسع من الإعلام الرسمي وحده، وأكبر من إدارة خبر أو أزمة يومية، بل إنها تتعلق بالسردية، وبالثقة، وبقدرة الدولة على الوصول إلى الناس بلغة مفهومة، وبإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات الحكومية والإعلام المهني والفضاء الرقمي الجديد.
ولهذا قد يكون الأسلوب الأرجح هو الإصلاح خطوة خطوة، ومن دون ضجيج، عبر فتح الملفات واحدا بعد الآخر، وفحص الاختلالات المتراكمة، ثم بناء سياسة إعلامية أكثر تماسكا وقدرة على التعامل مع بيئة اتصالية لم تعد الدولة فيها المصدر الوحيد للمعلومة، ولا حتى المصدر الأسرع لها.
الأردن، في المحصلة، أمام ضغط يأتيه من ثلاث جهات في وقت واحد: إيران من الشرق، والضفة الغربية من الغرب، وجنوب سوري لم يجد بعد صيغته النهائية في الشمال.
وفي مواجهة هذه الجغرافيا المتحركة، تبدو الأولوية الأردنية واضحة: حماية القدرة على الاستمرار.
فثمة جيش يعيد ترتيب قيادته بما يلائم طبيعة تهديدات جديدة، وحكومة تستعد لمرحلة سياسية مختلفة، وأحزاب يراد دفعها من الأشخاص إلى البرامج، وملف إعلامي بات يحتاج إلى إعادة تفكير شاملة.
وليس في ذلك انقلاب على المسار القائم، ولا رغبة في إنتاج مشهد سياسي جديد بالكامل، بل هو أقرب إلى إعادة ضبط هادئة للأدوات قبل مرحلة تبدو فيها المنطقة أقل استقرارا وأكثر استعدادا للمفاجآت.
وربما هذه واحدة من ميزات الدولة الأردنية في لحظاتها الأصعب، فهي لا تغير جلدها كلما تغير الإقليم، لكنها تعرف، حين يلزم، كيف تعيد ترتيب ما تحته.







