بيان شعبي عاجل: قرارات وزارة التربية والتوجيهي تُربك مستقبل الطلبة وتُعمّق حالة عدم اليقين بحق الأجيال القادمة التعليم أكبر من وزير
لا أحد يعارض تطوير التعليم، ولا يمكن الدفاع عن بقاء منظومة تعليمية جامدة في عالم يتغير فيه العلم والتكنولوجيا وسوق العمل بوتيرة متسارعة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الإصلاح وبين إدارة الإصلاح؛ فقد يكون القرار سليماً في جوهره، لكن سوء التوقيت أو التدرج أو التواصل أو التطبيق قد يحوّل الإصلاح من فرصة وطنية إلى مصدر قلق واضطراب.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد تطوير التعليم؟ بل: هل تُدار عملية التطوير بطريقة تحمي مصلحة الطالب والأسرة والمعلم والمدرسة والجامعة والاقتصاد الوطني؟
نحن نرى أن ما شهدته منظومة التعليم خلال الفترة الأخيرة يستوجب مراجعة جادة لقيادة وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، وصولاً إلى تغيير الوزير وتكليف قيادة جديدة قادرة على إدارة هذه المرحلة الاستثنائية. وهذا ليس موقفاً شخصياً من الوزير، ولا رفضاً للإصلاح، بل اعتراض على منهج إدارة الإصلاح واستقرار القرار التعليمي.
التوجيهي ليس مختبراً للسياسات
الثانوية العامة ليست مشروعاً تجريبياً، بل منظومة يرتب عليها مئات الآلاف من الطلبة والأسر سنوات من حياتهم ومستقبلهم الجامعي والمهني.
من حق الطالب أن يعرف بوضوح: ماذا سيدرس؟ ومتى سيمتحن؟ وكيف تحتسب علامته؟ وما الذي يؤثر في قبوله الجامعي؟ وما الخيارات المتاحة أمامه؟ وهل يستطيع تصحيح مساره إذا اكتشف أن اختياره لم يكن مناسباً؟
أما توالي القرارات والتفسيرات والتعديلات والتراجعات والتجميدات، فإنه يخلق أخطر ما يمكن أن يصيب التعليم: فقدان اليقين والثقة.
الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى دراسة وتدرج واستقرار، لا إلى قرارات متسارعة تضع الطالب والأسرة أمام نظام يتغير قبل أن يستوعبوا قواعده.
الطالب والأسرة ليسا حقل تجارب
عندما يُطلب من الطالب اختيار مسار قد يؤثر في مستقبله الجامعي، يجب أن تتوفر له معلومات دقيقة وإرشاد مهني حقيقي حول احتياجات سوق العمل والتخصصات المطلوبة والمشبعة والبدائل المتاحة.
ولا يجوز تحميل الطالب مسؤولية غياب التخطيط الوطني.
كما أن كل تغيير غير مدروس يحمّل الأسرة كلفة إضافية من دروس خصوصية ومراكز تعليمية ومصادر وأجهزة واستشارات، وقد يدفع بعض الأسر إلى خيارات تعليمية أكثر كلفة.
وهنا قد يتحول الإصلاح، وبشكل معاكس، إلى عامل يزيد الفجوة التعليمية بين القادرين وغير القادرين.
المعلم والمدرسة شريكان لا منفذان
لا يمكن بناء إصلاح حقيقي من مكاتب الوزارة فقط.
أي نظام جديد يحتاج إلى معلمين مؤهلين، ومناهج وأدلة واضحة، وبنية رقمية، ومختبرات، وأنظمة تقييم، وإرشاد مهني، وتأهيل إداري، ووقت كافٍ للتطبيق.
فإذا كان المعلم نفسه غير متأكد من الشكل النهائي للنظام، فكيف نطلب منه أن يوجه الطالب نحو قرار قد يحدد مستقبله؟
التعليم لا ينتهي عند بوابة الجامعة
المشكلة أعمق من التوجيهي.
فنحن أمام سلسلة مترابطة: مدرسة، توجيهي، قبول جامعي، تخصص، جامعة، بحث علمي، ابتكار، سوق عمل، اقتصاد وموارد بشرية.
ولا يمكن إصلاح حلقة واحدة وترك بقية الحلقات تعاني.
تغيير التوجيهي وحده لا يعالج اختلالات الجامعات، ولا فجوة التخصصات مع سوق العمل، ولا البطالة بين الخريجين، ولا ضعف البحث العلمي والابتكار.
الجامعات والبحث العلمي قضية وطنية
الجامعة ليست مؤسسة لمنح الشهادات، بل مصنع للعقول والمعرفة.
والأردن، الذي لا يملك وفرة كبيرة من الموارد الطبيعية، يملك ثروة أهم: الإنسان والمعرفة.
لذلك فإن تمويل البحث العلمي، وتعزيز استقلال الجامعات، واستقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، وربط البحث بالصناعة والاستثمار، وتحويل المعرفة إلى حلول وشركات وفرص عمل، يجب أن تكون في قلب السياسة الوطنية.
إن هجرة أستاذ أو باحث متميز لا تعني خسارة موظف فقط؛ بل خسارة سنوات من الخبرة، وطلاباً وبحوثاً وفرص ابتكار وشبكات علمية، أي خسارة جزء من رأس المال البشري الوطني.
أين خطة تنمية الموارد البشرية؟
إذا كانت الوزارة تحمل اسم تنمية الموارد البشرية، فإن السؤال يصبح أكبر:
أين النموذج الوطني الذي يتنبأ باحتياجات الأردن من الأطباء والمهندسين والمعلمين والممرضين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة والمياه والزراعة والعلوم والهندسة وغيرها؟
ما التخصصات التي تحتاجها الدولة؟ وما التخصصات التي وصلت إلى التشبع؟ وما الوظائف التي ستختفي؟ وما الوظائف التي ستظهر؟
وكيف تُترجم هذه البيانات إلى مقاعد جامعية ومسارات مدرسية وسياسات ابتعاث وتدريب؟
تغيير شكل امتحان الثانوية العامة وحده لا يمكن أن يكون سياسة وطنية لتنمية الموارد البشرية.
المشكلة ليست في مراجعة القرار... بل في غياب الاستقرار
من الطبيعي أن تراجع الحكومة قراراتها عندما تظهر معلومات جديدة، وليس التراجع بحد ذاته عيباً.
لكن عندما تتكرر القرارات والتعديلات والتفسيرات والتجميدات والتأجيلات، تتحول المسألة من مرونة إدارية إلى أزمة ثقة في استقرار السياسة التعليمية.
والتعليم تحديداً لا يحتمل ذلك؛ لأن الطالب لا يستطيع استعادة سنة من عمره، والأسرة لا تستطيع إعادة بناء خطتها كل بضعة أشهر، والجامعة لا تستطيع تغيير مساراتها بين ليلة وضحاها.
كثرة القرارات ليست إنجازاً، وكثرة التغييرات ليست إصلاحاً.
المعيار هو: هل أصبح الطالب أكثر اطمئناناً؟ هل أصبح المعلم أكثر قدرة؟ هل أصبحت الجامعة أقوى؟ هل تحسن البحث العلمي والابتكار؟ وهل أصبح الأردن أكثر قدرة على معرفة احتياجاته من الموارد البشرية؟
لماذا نطالب بتغيير القيادة؟
إن جمع التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي وتنمية الموارد البشرية تحت مظلة واحدة يمكن أن يكون فرصة تاريخية للأردن، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف المسؤولية إلى مستوى غير مسبوق.
نحن لم نعد أمام وزارة تدير المدارس والامتحانات فقط، بل أمام منظومة تمتد من الطفل في المدرسة إلى الباحث في المختبر، ومن التخصص الجامعي إلى سوق العمل، ومن المعرفة إلى الاقتصاد الوطني.
وهذه المرحلة تحتاج قيادة تمتلك الرؤية والتخطيط والقدرة على إدارة التغيير، والاستناد إلى البيانات والدراسات، والتشاور، وبناء التوافق، والأهم القدرة على منح المجتمع يقيناً بأن ما يجري مشروع دولة مستقر وليس سلسلة قرارات قابلة للتبدل.
لذلك نقول بوضوح:
نحن لا نطالب بتغيير الوزير لأنه يريد إصلاح التوجيهي، بل لأن إدارة الإصلاح بهذا المستوى من الأهمية تتطلب قيادة جديدة قادرة على إدارة التحول بثبات وكفاءة وثقة.
نحن لا نعارض التطوير، بل نطالب بإدارة أفضل للتطوير.
ولا نعارض دمج المنظومة، بل نرى فيه فرصة تاريخية تحتاج قيادة استثنائية.
ولا نعارض إعطاء الطالب خيارات، بل نريد خيارات مدروسة ومستقرة لا يتحمل الطالب نتائج تغييرها.
ولا نعارض ربط التعليم بسوق العمل، بل نريد أن يصبح ذلك جوهر السياسة التعليمية لا مجرد شعار.
مطالبنا
وعليه، فإننا نطالب بـ:
أولاً: إجراء تقييم موضوعي ومستقل لأداء قيادة الوزارة خلال المرحلة السابقة، واتخاذ قرار بتغيير الوزير وتكليف قيادة جديدة ذات رؤية وخبرة وقدرة مؤسسية على إدارة التحول.
ثانياً: تشكيل فريق وطني من الخبراء والأكاديميين والتربويين والاقتصاديين لوضع خارطة طريق وطنية متكاملة للتعليم والموارد البشرية.
ثالثاً: تثبيت نظام الثانوية العامة ضمن إطار واضح ومستقر، وعدم تغيير قواعده بصورة متكررة، مع إعلان مراحل انتقالية مفهومة ومعلنة.
رابعاً: إجراء تقييم علمي مستقل لآثار الإصلاحات على الطلبة والأسر والمدارس والجامعات، قبل تعميم أي تغيير جوهري.
خامساً: إطلاق استراتيجية وطنية للجامعات والبحث العلمي والابتكار، مرتبطة بأولويات الأردن الاقتصادية والتنموية.
سادساً: وضع خطة وطنية عاجلة للحفاظ على الكفاءات الأكاديمية والعلمية واستعادة العقول الأردنية المهاجرة.
سابعاً: تعزيز استقلال الجامعات الأكاديمي والإداري، وتحويل دور الوزارة إلى صانع للسياسات وضامن للجودة والحوكمة والمساءلة.
ثامناً: إنشاء نظام وطني علمي للتنبؤ باحتياجات سوق العمل والموارد البشرية، وربط مخرجات التعليم والقبول الجامعي به.
تاسعاً: إقرار ميثاق وطني للتعليم يمتد لعشر سنوات على الأقل، بحيث لا يصبح مستقبل الطلبة رهينة لتغير الحكومات والوزراء.
كلمة أخيرة
الوزير يأتي ويغادر، والحكومة تتغير، والقرارات يمكن تعديلها.
لكن الطالب لا يستطيع استعادة سنة من عمره، والباحث الذي يهاجر قد لا يعود، والجامعة التي تتراجع مكانتها تحتاج سنوات لاستعادة موقعها، والكفاءة التي نخسرها لا يعوضها قرار إداري.
لذلك فإن قضية التعليم أكبر من وزير، وأكبر من توجيهي، وأكبر من حكومة. إنها قضية دولة.
الطالب الأردني ليس حقل تجارب.
والجامعة ليست مجرد محطة لمنح الشهادات.
والباحث الأردني ليس رقماً في جدول الرواتب.
والموارد البشرية ليست ملفاً إدارياً.
إنها مستقبل الأردن.
ومن أجل هذا المستقبل، فإننا نرى أن تغيير قيادة وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أصبح ضرورة إصلاحية، لا مطلباً شخصياً.
الموقعون :
1- د.مصطفى التل
2. د. عمر العسوفي
3.د.وفيق الهلسة
4.أ.د.خالد العطيات
5.المحامي أحمد الخياط
6.د.جبريل الخطيب
7.د وائل شفيق العوض
8.د إبراهيم العمرو... لواء متقاعد
9. الأستاذة وفاء قواقزة
10. د. رانيا محمد قدحات
11. خليل ياسين
12. ناديا الملكاوي
13.السيد حازم الكساسبه
14. أ.د. مؤيد الحسينات
15. نوح هارون آل خطاب
16.محمد عيسى النوافله
17- م. زياد ابراهيم شطناوي
18. أ.د.عيد الطرزي
19. هنادي عبدالرحيم المناصير
20. الدكتور جمال عبيدات
21. د. عبد السلام المعلا
22. حسين علي ابو جبل
23. أ.د. ايمن عبدالسلام عواد
24. لطفي إسماعيل الصرعاوي
25. مروان مرسي
26. فادي زواد السمردلي
27. م. محمود سلامة
28. ميساء مطارنه
29. علي طايع القطاونه
30 . د. محمود النعانعه
31.أ.د. محمد الفرجات
32. توفيق عبدالحميد مبيضين
33. عبدالله ابو العدس
34. معتز كرجغلي
35. احمد فخري ال خطاب
36. منال الشاويش
37. محمد علي فهيد الفرجات







