"منطقة محظورة" قرب هرمز.. إيران تتجه لفرض قواعد عبور جديدة
تتجه المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة، مع اعتزام طهران إعلان "منطقة محظورة" خارج المضيق خلال الأيام المقبلة، تزامنا مع انخفاض حركة السفن التجارية إلى أدنى مستوى منذ أيار وتصاعد الضربات المتبادلة ضد السفن وناقلات النفط.
وتضع الخطوة الإيرانية حركة الملاحة مجددا في قلب المواجهة مع واشنطن، لكنها تتجاوز هذه المرة مسألة إغلاق المضيق أو فتحه إلى محاولة فرض قيود جديدة على السفن العابرة، في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة حصارها البحري والاقتصادي على إيران.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الأحد، إن طهران ستعلن خلال الأيام المقبلة "منطقة محظورة" تبدأ من خط الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية، وتمتد باتجاه مضيق هرمز وتشمل مناطق من الخليج.
وأضاف رضائي أن أي سفينة تدخل المنطقة بقصد المرور عبر المضيق وتحددها إيران ستدرج على قائمة العقوبات الإيرانية، من دون أن يحدد حتى اليوم الحدود الجغرافية الدقيقة للمنطقة أو موعد بدء تطبيقها.
وتأتي الخطوة في وقت أظهرت فيه بيانات شركة "كبلر" لتحليلات الشحن أن متوسط عدد سفن السلع التي عبرت مضيق هرمز خلال الأيام العشرة الأخيرة انخفض إلى 10 سفن يوميا، وهو أدنى مستوى منذ أيار، بعد الضربات الأميركية والإيرانية الأخيرة ضد الناقلات.
وبحسب البيانات، عبرت سفينتان فقط المضيق السبت و6 سفن الأحد، معظمها عبر المسار الإيراني، في مؤشر على تصاعد المخاطر التي تواجه الملاحة التجارية في الممر الاستراتيجي.
- قيود جديدة على العبور
ولم تكشف طهران بعد آلية تطبيق "المنطقة المحظورة"، أو طبيعة الإجراءات التي ستتخذ ضد السفن التي تدخلها، ما يترك أسئلة بشأن ما إذا كانت الخطوة ستقتصر على إدراج السفن على قوائم العقوبات أم ستشمل إجراءات ميدانية لمنع عبورها.
وقال رضائي إن إيران ترصد السفن الأميركية التي تحاول العبور عبر مسارات تصفها بأنها "غير قانونية"، مشيرا إلى أن الإجراءات الإيرانية في المضيق ستصبح أكثر صرامة.
وأضاف أن إيران لم تتخذ قرارا بإغراق السفن المحملة بالنفط بسبب الأضرار البيئية التي قد تترتب على ذلك، معتبرا أن تأثير الإجراءات والعقوبات الإيرانية في المضيق سيكون أكبر من تأثير الصواريخ.
وكشف رضائي أيضا عن توصل إيران وسلطنة عُمان إلى خريطة للدخول والخروج من المياه الخليجية وإليها، قائلا إن اتفاقا بهذا الشأن سيوقع قريبا.
ووصف المسؤول الإيراني مضيق هرمز بأنه "مغلق بالكامل"، في رواية تتعارض مع الموقف الأميركي وبيانات تتبع الملاحة التي تظهر استمرار عبور السفن، وإن بمعدلات أقل كثيرا من مستويات ما قبل الحرب.
- الناقلات تتحول إلى ساحة مواجهة
يأتي الإعلان بعد تصعيد لافت في المواجهة البحرية بين واشنطن وطهران، إذ استهدفت القوات الأميركية السبت 3 ناقلات نفط إيرانية، بعدما قال الجيش الأميركي إن الحرس الثوري أطلق صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أميركية في المنطقة.
وردت إيران باستهداف سفن وناقلات قالت إنها تستخدم مسارات غير مصرح بها، بالتزامن مع تهديد أميركي بإغراق ناقلات إيرانية إذا واصلت طهران استهداف سفن البحرية الأميركية.
وتشير بيانات الملاحة إلى أن المخاطر لم تعد تقتصر على السفن العسكرية، إذ قالت شركة الاستخبارات البحرية "ماريسكس" إن التطورات الأخيرة تمثل تصعيدا كبيرا بعدما أصبحت الناقلات التجارية جزءا من أدوات الضغط الاقتصادي المتبادل بين الطرفين.
وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية 27 حادثة ضرب بمقذوفات في مضيق هرمز ومحيطه منذ 6 تموز، أسفرت عن أضرار متفاوتة في السفن.
وقال رضائي إن إيران اختبرت للمرة الأولى صاروخا مضادا للسفن ضد سفينة حربية أميركية، مدعيا أن السفن الأميركية انسحبت بعد استخدام الصاروخ.
لكن الجيش الأميركي نفى ادعاء إيران إصابة سفينة عسكرية أميركية غير مأهولة في المضيق.
- هرمز في مواجهة الحصار الأميركي
ويتزامن التصعيد البحري مع تشديد واشنطن الضغوط الاقتصادية على طهران، بعدما وسعت الولايات المتحدة نطاق العقوبات الثانوية التي يمكن فرضها على كيانات ودول تتعامل تجاريا مع إيران ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، بالتوازي مع إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز.
وتقول واشنطن إن الإجراءات تستهدف زيادة الضغط الاقتصادي على طهران، فيما تعتبر إيران أن استئناف الحصار البحري يقوض مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان بشأن الملاحة.
وقال رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأحد، إن على إيران إيجاد بدائل جديدة لمواجهة الضغوط الاقتصادية التي تستهدف سلاسل الإمداد.
وأضاف أن أي هجمات مستقبلية تستهدف أمن إيران أو مصالحها ستقابل برد "أسرع وأشد وأكثر إيلاما"، قائلا إن الولايات المتحدة يجب أن تدرك أن "قواعد اللعبة قد تغيرت".
وفي السياق نفسه، أكد قائد قوات حرس الحدود الإيرانية استعداد قواته للتصدي لأي تهديد أو اعتداء، قائلا إنها لن تسمح بأي خرق للحدود.
- لماذا هرمز بالغ الأهمية؟
تكمن خطورة التصعيد في حجم الطاقة التي تعتمد تاريخيا على مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية.
وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت 20.9 مليون برميل يوميا في الربع الأول من 2025، وارتفعت إلى 21.6 مليون برميل يوميا في الربع الأخير من العام نفسه.
لكن الحرب أحدثت تحولا حادا في حركة الطاقة عبر المضيق، إذ انخفضت التدفقات إلى 14.9 مليون برميل يوميا في الربع الأول من 2026، ثم إلى 4.9 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني، وفق أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
كما هبطت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق من 10.5 مليارات قدم مكعبة يوميا في الربع الأخير من 2025 إلى 7.4 مليارات في الربع الأول من العام الحالي، ثم إلى 0.8 مليار قدم مكعبة يوميا في الربع الثاني.
وتوضح هذه الأرقام حجم التحول الذي أحدثته الحرب في واحد من أهم اختناقات الطاقة العالمية، إذ كانت تدفقات النفط عبر هرمز قبل الحرب تعادل قرابة خُمس استهلاك السوائل النفطية في العالم ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا.
وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة التي يمكن توفيرها عبر خط أنابيب شرق-غرب السعودي وخط أبوظبي بنحو 4.7 ملايين برميل يوميا، مقارنة بتدفقات تجاوزت 20 مليون برميل يوميا عبر هرمز قبل الحرب.
وتعني محدودية البدائل أن أي اضطراب إضافي في حركة المضيق يمكن أن ينعكس على تدفقات الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين وأسعار النفط، خصوصا إذا امتد لفترة طويلة.
وفي 31 آب، شنت الولايات المتحدة غارات على منصات إطلاق صواريخ إيرانية في جزيرة داخل مضيق هرمز، قبل أن تستهدف في اليوم التالي مواقع للحرس الثوري، قائلة إن الضربات جاءت ردا على هجمات ضد سفن تجارية وعسكريين أميركيين في المنطقة.
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الولايات المتحدة لن تجري محادثات مع إيران ما لم تتوقف عن إطلاق النار على السفن التجارية في المضيق، فيما تقول طهران إن الحصار البحري الأميركي يقوض أي تفاهم بشأن حرية الملاحة.
وبدأت الحرب في 28 شباط، عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران، وردت طهران بإغلاق مضيق هرمز، ليصبح الممر منذ ذلك الحين أحد أبرز أدوات الضغط في المواجهة.
لكن الإعلان عن "منطقة محظورة" يضيف بعدا جديدا إلى الصراع؛ فبدلا من أن تتركز المواجهة على إغلاق المضيق أو إعادة فتحه، باتت تمتد إلى الشروط التي تحكم مرور السفن والمسارات التي يمكنها استخدامها.
وتعتبر الولايات المتحدة هرمز ممرا دوليا حيويا وتقول إن قواتها تعمل على حماية حرية الملاحة واستمرار تدفقات الطاقة، بينما تربط إيران حرية العبور بأمنها ورفع الضغوط والحصار المفروض عليها.
ولا يزال مدى تأثير المنطقة الإيرانية الجديدة مرهونا بالتفاصيل التي ستعلنها طهران بشأن حدودها وآلية تطبيقها والسفن المستهدفة بها.







