اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كراجة يكتب: الأونروا.. شاهد على حق العودة

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


حق العودة أقدم من الأونروا. ففي العاشر من كانون الأول 1948، أقرّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق الفرد في مغادرة بلده والعودة إليه. وفي اليوم التالي، صدر القرار 194، وهو النص الخاص بالفلسطينيين، فنصّ على حق العودة أو التعويض. ثم حظرت اتفاقية جنيف الرابعة، في آب 1949، التهجير القسري. أما الأونروا، فأُنشئت في الثامن من كانون الأول 1949. إقرار حق العودة سبقها بسنة، وأكد بعدها في العهود والمواثيق. ورأي محكمة العدل الدولية في تموز 2024 لم يتناول لاجئي 1948، لكنه ألزم إسرائيل بإعادة من هجّرتهم بعد 1967، وبردّ ما استولت عليه من ممتلكات، ومنها الأرشيفات والوثائق.
 

وحق العودة حق فردي. فالمادة 12(4) من العهد الدولي تخاطب الشخص، لا الحكومة. فلا جامعة الدول العربية ولا منظمة التحرير ولا أي سلطة تملك التنازل عنه بالنيابة عن الفلسطيني. صاحبه يختار العودة أو التعويض، ومن لم يوقّع لا يُلزمه توقيع غيره.
لذلك، اتجهت إسرائيل إلى ما تطاله يدها: السجل. نحو ثلاثين مليون وثيقة، تبدأ ببطاقات تسجيل أكثر من سبعمائة ألف مهجّر من نكبة 1948. وهو سجلّ حي فأكثر من ألف شخص يراجعون الوكالة كل سنة ليثبتوا أنهم من نسل أولئك المهجّرين. ومنذ 2004، تُنسخ الأوراق إلكترونياً: نحو عشرين مليوناً حتى 2009، ثم عشرة ملايين بين 2023 و2025. إتلاف الأصل لم يعد يكفي. وقد أدرجت اليونسكو أرشيف صور وأفلام التهجير في «ذاكرة العالم» سنة 2009، وبذلك أصبح «السجل» وتاريخه في عهدة أكثر من جهة. 
في كل الأحوال «السجل» لا يُنشئ الحق، فتعريف الوكالة للاجئ وُضع سنة 1952 ليحدّد من يدخل المدرسة والعيادة، فعائلة خرجت من يافا واستقرّت في تشيلي قد لا تجد اسمها في دفاتر الوكالة، ولكن حقها في العودة قائم كحق جارها في مخيم البقعة. ومحاولات إعادة العدّ لم تغيّر شيئاً: فجرب مجلس الشيوخ الأميركي سنة 2012 حصر الصفة بمن هجر فعلا دون أبنائه، وفي 2018 قطعت واشنطن التمويل. صفة اللاجئ تستمر مهما طال الزمن وتنتقل عبر الأجيال، وتنتهي بالعودة أو ما يقبله صاحب الحق دون ذلك. 
ولأن الورق صمد، انتقلت المعركة إلى المباني. حصانة المقار منصوص عليها في اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لسنة 1946. ومع ذلك، هُدم مجمّع الشيخ جراح في العشرين من كانون الثاني 2026، بعد إنزال علم المنظمة ورفع العلم الإسرائيلي، ثم استُولي على مركز تدريب قلنديا في الخامس والعشرين من آب. الاعتداء ينفذ اليوم أمام الكاميرا.
ومع ذلك فإن الإجماع السياسي العالمي لم يتزعزع. فبيان باندونغ سنة 1955، برعاية إندونيسيا والهند وباكستان وبمشاركة الصين، تبنّى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة في فلسطين. وفي الخامس من كانون الأول 2025، جدّدت الجمعية العامة ولاية الوكالة حتى حزيران 2029، بمائة وواحد وخمسين صوتاً مقابل عشرة. أوروبا وآسيا استأنفتا تمويل الوكالة بعد أزمة 2024. أما واشنطن، أكبر الممولين السابقين، فبقيت وحدها خارج الصف، قاطعة مساهمتها منذ 2018.
والأردن الذي منح الأرض سنة 1952، قبل الاحتلال بخمسة عشر عاماً، ساهم في إنقاذ السجل. الغارديان روت الحكاية في أيار 2026: عشرة أشهر من العمل الهادئ، خرجت الوثائق من غزة إلى رفح تحت القصف، ثم إلى مصر، ثم إلى عمّان. أما أرشيف القدس فنُقل قبل ذلك بعام، حين أصدرت إسرائيل قانونين أغلقا مكتب الوكالة في القدس مطلع 2025. والذاكرة حاضرة: في بيروت سنة 1982، وضع الجيش الإسرائيلي يده على أرشيف منظمة التحرير. وفي الأردن اليوم نحو 2.3 مليون لاجئ مسجّل، قرابة أربعين في المائة من مجموع المسجّلين، فيما أحالت المادة الثامنة من وادي عربة ملفهم إلى مفاوضات الوضع النهائي وتركت الباب موارباً.
الشهادة لا تصنع الحق. لكن ثلاثين مليون ورقة في عمّان تجعل إنكار الأسماء والقرى والعقود أكثر كلفة على طاولة أي تسوية. والمسألة أكبر من عودة عائلة إلى بيتها. إنه حق لا يملك أحد إسقاطه، وما تبقّى للفلسطيني في مواجهة مشروع حمله وعد بلفور، ورعته واشنطن، وتنفّذه إسرائيل اليوم. غير أن الوثيقة وحدها لا تكفي. فما أبقى هذا الحق قائماً ثمانية عقود هو تمسّك أصحابه به، بكل صورة ووسيلة. الأونروا تشهد، والفلسطيني هو الضمانة.
جنابك.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية