العبادي يكتب: التعيين في المجالس المحلية… انتقاص من حق المواطنين في اختيار ممثليهم...بداية نهاية الديمقراطيه
بقلم د.فوزان العبادي
يثير اعتماد التعيين في مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد تساؤلات جوهرية حول مستقبل المشاركة الشعبية؛ فالمجالس المحلية أُنشئت أساسا لتمثيل أبناء المناطق وتمكينهم من المشاركة في تحديد أولوياتهم وصنع القرارات المرتبطة بحياتهم اليومية، لا لتكون مجالس تُشكل بإرادة الجهات الرسمية.إن معالجة ضعف أداء بعض المجالس المنتخبة لا تكون بسحب حق المواطنين في اختيار ممثليهم، وإنما بتطوير النظام الانتخابي، وتوسيع قاعدة المشاركة، ووضع معايير واضحة للترشح، وتعزيز أدوات الرقابة والمساءلة. فالخلل في التجربة الديمقراطية يُعالج بتطويرها، لا بالعودة إلى التعيين.وقد تكون لدى الجهات الرسمية مبررات تتعلق بالكفاءة والخبرة، لكن المجالس المحلية ليست لجاناً فنية أو استشارية، بل مؤسسات تمثيلية تستمد شرعيتها من إرادة السكان. ويمكن توفير الكفاءات من خلال أجهزة تنفيذية وفنية محترفة تساعد المجالس المنتخبة، دون أن تحل محلها أو تصادر دورها. ولو قبلنا بأن الكفاءة الفنية تبرر الاستغناء عن الانتخاب، لأصبح من الممكن تطبيق المنطق نفسه على مجلس النواب، وتعيين خبراء في القانون والسياسة والاقتصاد بدلاً من إجراء الانتخابات العامة بحجة خفض الكلفة أو معالجة ضعف الأداء التشريعي والرقابي. لكن مثل هذا الطرح يتعارض مع جوهر الديمقراطية، التي تمنح المواطنين الحق في الاختيار والمحاسبة والتغيير. كما أن تعيين أشخاص بعيدين عن واقع المناطق واحتياجات سكانها قد يؤدي إلى مجالس تفتقر إلى الحضور الشعبي، ويجعل أعضاءها أكثر ارتباطاً بالجهة التي اختارتهم من ارتباطهم بالمجتمع الذي يُفترض أنهم يمثلونه. إن الإصلاح الحقيقي للإدارة المحلية يتطلب انتخاب المجالس ورؤسائها انتخاباً كاملا ومباشرا ومنحها صلاحيات فعلية وموازنات واضحة، وإخضاعها للمساءلة الشعبية والقانونية. أما التوسع في التعيين، فيعيد إنتاج المركزية ويحوّل اللامركزية إلى مجرد عنوان إداري خالٍ من مضمونه السياسي والتنموي.
الإدارة المحلية ليست مجالا لتوزيع المواقع، بل هي إحدى أهم بوابات المشاركة العامة. ومن يريد بناء حياة سياسية ديمقراطية، عليه أن يثق بقدرة المواطنين على اختيار ممثليهم، وأن يعالج أخطاء الانتخاب بمزيد من الوعي والمشاركة والرقابة، لا بمزيد من التعيين والوصاية.







