العدوان يكتب: التزوير التاريخيّ والسرديات السمعية ،، يقابلها مهنة و حرفة علم التوثيق …
بقلم د. محمد عيسى العدوان رئيس مركز عمان والخليج للدراسات الاستراتيجية .
المدير العام الأسبق لمركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي
التوثيق هو القاعدة الفولاذية للحقيقة حيث ان هنالك مفهوم وربما معضلة تاريخيّة حوّل النقل السمعي المشهور التي يقابلها الوقائع الموثقة المنضبطة.
ليبرز السوال المهم هل نحن اليوم مع تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي بحاجة إلى مزيد من الخبرة في مجال التوثيق واداة المعرفة ..لماذا نحن بحاجة للتوثيق .
لقد قرات عندما عملت على مشروع ترميم وتوثيق المخطوطات في المملكة المغربية الشقيقة العام ٢٠٠٧ عن موضوع له علاقة بالحرفة والخبرة وفن التعامل مع التزوير بالتوثق… حيث المخطوطات الأندلسية التي عملت عليها حوت الكثير من معايير علم التوثيق وكذلك كل تلك الجلسات التي تعلمت منها مع استاذي المؤرخ الكبير عبد الوهاب بن منصور ،، حيث انني نفذت خلال فترة عملي الممتدة من عام ١٩٩٦ وحتى اليوم الكثير من المشاريع مشاريع التي لها علاقة بإعادة بناء العقل بالوعي من خلال الوثائق والمخطوطات والفهم المعياري للتعامل مع المعلومات!!!
لقد لفت نظرية موضوع له علاقة بتخصصي إلا وهو التوثيق الذي يعد خط الدفاع الأول عن الحقيقية ،،
فقد قرات في مخطوطة بانه في عام 447 هجريا...ذهب وفد من اليهود إلى وزير الخليفة العباسي القائم بأمر الله،،، ومعهم وثيقة إعفاء من الجزية يقولون أن النبيﷺ كتبها لليهود (يوم فتح خيبر) وأنها بشهادة أصحابه وتوقيعهم واختامهم.
وبان النبي محمدﷺاعفى اليهود من الجزية عام 7 هـ.
وعليه.. فهم يطالبون باستثناءهم من دفعها.
تعجب الوزير من الوثيقة فهو لم يسمع عنها من قبل وهي فعلا بخاتم النبيﷺ وبتوقيع واختام أصحابه رضوان الله عليهم.
في هذه اللحظة يأتي دور الدراسات التاريخية ودور التاريخ والمؤرخين والخبراء ،، حيث الخبرة والإدراك المعلوماتي والتوثيق المعرفي ...
ولأن الدولة تثق بخبراءها وعلماءها ،، استدعى وزير الخليفة العباسي...المؤرخ والمحدث المعروف "الخطيب البغدادي" وعرض عليه الوثيقة..
والذي بمجرد أن نظر فيها ابتسم وردها للوزير قائلا:
"انها وثيقة مزورة وليست صحيحة".
استغرب الوزير من تلك الثقة...وسأله عن السبب في الحكم عليها بالتزوير فقط من خلال النظر قبل الفحص واللمس ؟!
فقال البغدادي.. هذه الوثيقة مزورة لسببين على الاقل.. هما:
١- وجود اسم الصحابي معاوية بن أبي سفيان من بين الشهود عليها..
والمفروض ان الوثيقة كتبت يوم خيبر (حسب ما ورد فيها) ومعاوية اسلم يوم فتح مكة.. اي بعد خيبر بعام.
فلا يمكن أن يصح اسمه من بين الشهود فيها.
٢- وجود اسم الصحابي الجليل سعد بن معاذ فيها كذلك.. لان سعد رضي الله عنه استشهد بجرح وقع له في غزوة بني قريظة.. اي قبل خيبر بعامين.
فلا يمكن أن يكون اسمه أيضا من بين الشهود.
وفشلت تلك المحاولة من التزوير واستمر اخذ الجزية منهم..
(وعلى الرغم من ذلك اخرج اليهود تلك الوثيقة اكثر من مرة... منها زمن ابن تيمية رحمه الله)
وهكذا هو جزاء من يقدم التاريخ الاسود ويقوم بالتزوير ولكن الفيصل وجود الخبراء الثقات .. ان
أذى التزوير لا يقف عند حد إثارة الفتن والحروب بل يصل إلى حد المساس بالمعتقدات والهوية والقيم .
وهكذا فان محاولات تزوير الاحداث في التاريخ أصبحت مهنة و جزء رئيسي من أعمال فئات متعددة عبر التاريخ… واليوم أصبحت اخطر وأكثر تاثير وفتك من خلال وسائل التواصل الإجتماعي التي تستخدم أسلوب النشر المطلق بل سقف لا لمعرفة ولا لحقيقة ،، بل تستخدم أسلوب الفضائح والخيانات والغرائب!!
وفي زمننا الحديث ،، تذكرت حادثة حصلت معي شخصيا أثناء عملي مدير عام لمركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي العام ٢٠٠٦ يعني قبل 20 عام عندما بدأت أعمال على تاسيس المركز بعد ان انتقلنا من العمل في القاعة الملكية بقيادة الحرس الملكي الخاص إلى العمل في الديوان الملكي الهاشمي العامر - في تلك الأثناء استدعاني شخصية مهمة ،، واخبرني بان هناك نية لشراء وثائق الملك المؤسس عبد الله الاول رحمه الله من قبل شخصية مهمة جدا ،، لإهدائها لجلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله ورعاه ،، وعندما تفحصت الوثائق اكتشفت التزوير فقلت لهذه الشخصية سيدي ،، هذه الوثائق مزورة - غضب وضرب بيده على طاولة مكتبه ،،، وقال لي - تحكم دون ان تتفحصها في معمل او مختبر متخصص !!!!
،، فقلت يا سيدي الامر بسيط،،
انا تدربت وعملت سنوات طويلة من عمري في مجال التوثيق والمخطوطات ان مجال التوثيق والمخطوطات هو علم قائم بذاته ولذلك أنا اليوم مدير عام لمركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي بعد كل هده الدورات في مجال الوثيق وان هذا المركز الذي بدء عمله في قيادة الحرس الملكي الخاص والان هو مركز مستقل مالي واداري في الديوان الملكي اصبح مستأمن على وثائق الدولة ،، ولذلك استطيع بل ويجب ان أميز الأصيل من المزور ،، وإلا فيجب ان أغادر موقعي !!!.
لذلك سيدي ارجو ان أبين لشخصك الكريم ،، ملاحظات التوثيق ،،، حتى يتبين أهمية مشروع التوثيق الوطني الذي اعمل عليه منذ عام ١٩٩٦ ،،،
ان اهم الأمور التي تبين التزوير ،،،،
قبل الحديث عن اي تنظير معلوماتي احببت ان اذكر شخصك الكريم ،، بان الملك المؤسس هو اول زعيم في العالم العربي نشر مذكراته وهو على قيد الحياه،، وكذلك تكملة مذكراته وهو ايضا على قيد الحياة ،، وعليه فان المذكرات ليست سرية ويجب ان تكون في أرشيف الديوان الملكي ..
اما من الناحية الفنية …
١- ان الشعار الموجود على الأوراق هو شعار ملكي عراقي وليس اردني وهذا من المستحيلات ان يكتب الملك المؤسس على أوراق ملكية عراقية !!! اما وجودها اي الوثائق التي عليها شعار مملكة العراق فبكل تاكيد نتيجة سرقة الكثير من الأشخاص الأوراق الهاشمية في العراق بعد احتلال بغداد ٢٠٠٣.
ولقد تكرم الله على بان اتفقت مع صديق عراقي على إطلاق مشروع لتصوير الوثائق العراقية أثناء الغزو الأميركي للعراق وجمعت بفضل الله الكثير من صور هذّه الوثائق ربما يسهل الله لي تحليلها ونشرها لاحقا .
ثم قلت له سيدي ،،
٢- ان اي حبر بعد عدة سنوات من كتابته تخرج منه رائحة الأكسدة من التفاعلات!! والحبر المستخدم جديد وحديث !!! فهل يعقل ان المؤسس كتبه منذ العام ١٩٣٣ ولم يتغير لونه ولا يصدر عنه رائحة الأكسدة !!
هذا مبدئيا قبل الحديث عن اي امور آخرى … وتم إلغاء الشراء على حد علمي ولله الحمد ،،
فقال لي الشخص المهم يا ابني الحمد لله ان لدينا معرفة وعلم نركن عليه ومركز للتوثيق الملكي ،،، و تم اغلق الموضوع وقتها !!!
أقول دائمآ بان التوثيق ذاكرة وطن ،،، وان المشتغلين بعلم التوثيق يطلق عليهم عبر التاريخ ،،، حراس الهوية والذاكرة .







