عندما تصبح عمّان ملاذاً اضطرارياً.. من ينقذ المحافظات من هجرة أبنائها؟
تقرير صحفي مستند إلى مقال الكاتب الصحفي ماهر أبو طير في صحيفة الغد
يفتح الكاتب الصحفي ماهر أبو طير في مقال له في صحيفة «الغد» ملفاً حساساً لا يحظى بالنقاش الكافي في الأردن، يتعلق بالهجرة الداخلية من مختلف المحافظات إلى العاصمة عمّان، متسائلاً عن الأسباب التي تدفع الأردنيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل في العاصمة.
ويرى أبو طير أن هذه الظاهرة لا تعكس رفاهية أو اتساعاً في الخيارات، بقدر ما تكشف عن ضيق في ظروف الحياة، وضعف فرص العمل، وغياب التنمية المتوازنة عن مناطق واسعة من المملكة، خصوصاً في الشمال والجنوب والبادية والأغوار.
ويشير إلى أن المشكلة تظهر بصورة أوضح في محافظات ومدن مثل الكرك والطفيلة ومعان والرمثا وعجلون وإربد والسلط، إلى جانب مناطق البادية والأغوار، حيث ما يزال القطاع الخاص بعيداً، إلى حد كبير، عن إقامة استثمارات ومشاريع قادرة على توفير فرص عمل مستدامة لأبناء هذه المناطق.
ويؤكد أبو طير أن الحديث عن الهجرة إلى عمّان لا يعني الاعتراض على حق الأردني في الانتقال والعمل والسكن في أي مكان داخل وطنه، وإنما يتعلق بجوهر مختلف تماماً، وهو لماذا يصبح الانتقال إلى العاصمة الخيار شبه الوحيد أمام الباحث عن فرصة؟
وبحسب تقديرات دائرة الإحصاءات العامة لنهاية عام 2025، بلغ عدد سكان محافظة العاصمة نحو 5 ملايين نسمة، بما يقارب 42 بالمئة من إجمالي سكان المملكة، البالغ عددهم نحو 11.93 مليون نسمة، الأمر الذي يعكس حجم التركز السكاني والاقتصادي في العاصمة.
ويستحضر الكاتب نماذج لشباب من المحافظات الجنوبية حصلوا على وظائف في عمّان، لكنهم اضطروا إلى مشاركة السكن مع مجموعات من أقرانهم لتقليل كلفة الإيجار، في وقت يتحملون فيه أعباء المواصلات والازدحام وكلفة التنقل المستمر إلى محافظاتهم لزيارة أسرهم.
ويطرح هؤلاء الشباب سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: ماذا لو كانت الوظيفة نفسها متاحة في مدينتهم؟
عندها، وفق أبو طير، لن يكون الشاب مضطراً لدفع إيجار مرتفع، أو تحمل كلفة المواصلات، أو استنزاف جزء من راتبه في التنقل، بل سيتمكن من العمل بالقرب من أسرته، وتحقيق استفادة اقتصادية واجتماعية أكبر من راتبه.
ويشدد أبو طير على أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقوم على التوظيف الحكومي، في ظل محدودية قدرة الخزينة على تحمل المزيد من أعباء الرواتب، وإنما تحتاج إلى نموذج تنموي مختلف، يقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتشجيع الشركات المساهمة، وتوجيه الاستثمارات، والاستفادة من الموارد المتاحة، وتوسيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المحافظات.
ويرى أن المطلوب ليس فقط إطلاق مشاريع كبرى، بل بناء منظومة اقتصادية محلية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة داخل المدن والقرى والمناطق الطرفية، بما يسمح لأبناء المحافظات بالبقاء فيها إذا أرادوا، بدلاً من دفعهم اقتصادياً إلى الرحيل.
ويحذر المقال من أن استمرار الهجرة الداخلية بهذه الصورة لا ينعكس على المحافظات وحدها، بل يزيد الضغط على العاصمة أيضاً، من خلال ارتفاع الطلب على السكن، وأزمات المرور، وكلفة المعيشة، والضغط على الخدمات والبنية التحتية.
وفي المقابل، تفقد المحافظات جزءاً من طاقتها الشابة، وتتراجع فيها الحركة الاقتصادية والاجتماعية، وقد تتأثر الزراعة والاستثمارات المحلية، بما يخلق حلقة متكررة من التراجع: غياب التنمية يدفع الشباب إلى الرحيل، والرحيل يضعف المحافظات، وضعف المحافظات يدفع مزيداً من الشباب إلى الرحيل.
ويؤكد أبو طير أن الهجرة من الأطراف إلى العواصم ظاهرة موجودة في دول عديدة، لكنها في الحالة الأردنية تستدعي إعادة النظر في توزيع التنمية وفرص العمل، بحيث لا تبقى العاصمة مركزاً شبه حصري للفرص الاقتصادية.
ويخلص الكاتب إلى أن المطلوب ليس منع الأردني من الذهاب إلى عمّان، وإنما توفير البديل الحقيقي أمامه في محافظته ومدينته وقريته، بحيث يصبح الانتقال قراراً شخصياً لا استجابة اضطرارية لغياب الفرص.
فالقضية في جوهرها ليست كيف نمنع الناس من مغادرة المحافظات، بل كيف نجعلهم يجدون فيها ما يجعلهم يختارون البقاء.
ويختصر أبو طير موقفه من القضية بعبارة شديدة الدلالة: «لو توفرت لي الإمكانات، لما بقيت في عمان ساعة، ولذهبت بعيداً إلى الشمال أو الجنوب».







