معدل 99.5% بلا رياضيات وفيزياء.. هل أصبح «التوجيهي» يصنع المعدلات أم يؤهل أطباء المستقبل؟
أثار نظام الثانوية العامة «التوجيهي» الجديد جدلاً واسعاً في الأوساط التعليمية والأكاديمية، بالتزامن مع إعلان نتائج الدورة الحالية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة بعض المسارات الدراسية على إعداد الطلبة للالتحاق بالتخصصات الطبية والصيدلانية.
وتصاعد الجدل بعد تداول كشوف علامات لطلبة حصلوا على معدلات مرتفعة، من بينها معدل **99.50%**، رغم عدم دراسة مادتي الرياضيات والفيزياء خلال السنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية ضمن المسار الذي اختاره الطالب.
65% من المعدل من مواد غير علمية
وبحسب قراءة لكشف العلامات المتداول، فإن المواد العلمية المرتبطة بشكل مباشر بالتخصصات الطبية، وهي الكيمياء والعلوم الحياتية، تشكل **350 علامة من أصل 1000**، بواقع 175 علامة لكل مادة.
في المقابل، تشكل المواد الأخرى نحو **650 علامة** من المعدل، وتشمل اللغة العربية، والتربية الإسلامية، وتاريخ الأردن، واللغة الإنجليزية بمستوييها، إلى جانب مواد أخرى بحسب المسار الدراسي.
ويرى منتقدون أن هذه النسب تطرح تساؤلات حول مدى ارتباط المعدل النهائي بمدى جاهزية الطالب العلمية للالتحاق بتخصصات تحتاج إلى أساس قوي في الرياضيات والفيزياء إلى جانب الكيمياء والأحياء.
هل أصبح الهدف هو المعدل فقط؟
ويرى مختصون أن الإشكالية لا تتعلق بالطلبة الذين التزموا بمتطلبات النظام وحققوا معدلات مرتفعة، وإنما في تصميم المسارات وآليات احتساب المعدل، التي قد تدفع الطلبة وأسرهم إلى اختيار المواد التي تتيح لهم الحصول على أعلى علامة ممكنة.
ويحذر المنتقدون من أن التركيز المفرط على المعدل قد يحول المنافسة الجامعية إلى سباق للحصول على العلامة، بدلاً من أن يكون المعدل مؤشراً على امتلاك الطالب المعارف والمهارات الأساسية التي يحتاجها في تخصصه الجامعي.
لماذا الرياضيات والفيزياء مهمتان للطب والصيدلة؟
ويشير أكاديميون إلى أن دراسة الطب والصيدلة لا تعتمد فقط على الحفظ أو على مادتي الأحياء والكيمياء، بل تتطلب أيضاً مهارات كمية وتحليلية ترتبط بالرياضيات والفيزياء.
وتدخل هذه المعارف في مجالات متعددة، من بينها الإحصاء الحيوي، والفيزياء الطبية، وفهم الضغط وتدفق السوائل والكهرباء والأمواج والبصريات والتصوير الطبي، إضافة إلى الحسابات الدوائية والتركيزات وبعض التطبيقات المرتبطة بالصيدلة الفيزيائية.
المحاريق: تغييب الرياضيات عن المسارات الطبية مقلق
وفي سياق الجدل، انتقد الكاتب والباحث **سامح المحاريق** عبر منشورات له ما وصفه بتغييب مادة الرياضيات عن بعض المسارات في الثانوية العامة، معتبراً أن عدم وجودها ضمن متطلبات بعض الطلبة المتجهين إلى التخصصات الطبية والصيدلانية يمثل، من وجهة نظره، قراراً يحتاج إلى مراجعة.
وقال المحاريق إن المشكلة لا تقتصر على النظام الجديد، بل تمتد إلى طريقة تدريس الرياضيات منذ المراحل الدراسية الأولى، منتقداً ما اعتبره ضعفاً في بناء المفاهيم الأساسية وربط التعبير الرياضي بالواقع.
كما انتقد المحاريق ما وصفه بالإفراط في الجانب النظري والصوري في تدريس الرياضيات، داعياً إلى تطوير المناهج بما يجعل المادة أكثر ارتباطاً بالتطبيق والفهم، بدلاً من الاقتصار على أساليب قد تزيد من صعوبتها على الطلبة.
دعوات لإعادة تقييم المسارات
وتتركز الدعوات المطالبة بمراجعة النظام حول ضرورة ضمان امتلاك الطلبة المتجهين إلى التخصصات الطبية والصحية قاعدة علمية متوازنة تشمل **الأحياء والكيمياء والفيزياء والرياضيات واللغة الإنجليزية**.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن ارتفاع معدل الطالب لا يكفي وحده للحكم على جاهزيته للتخصص الجامعي، خصوصاً في التخصصات العلمية والطبية التي تتطلب مهارات تراكمية ومعارف أساسية تبدأ من المرحلة المدرسية.
ويبقى الجدل المطروح مرتبطاً بالسؤال الأهم: **هل يعكس معدل «التوجيهي» الجديد فعلاً مستوى الطالب العلمي واستعداده للتخصص الجامعي، أم أصبح الحصول على المعدل المرتفع هدفاً بحد ذاته؟**







