سكة العقبة: الحكومة تعوّض كامل المستملك... لكن الضرر لا يتوقف عند حدود الاستملاك
قرار مجلس الوزراء بتاريخ 9 آب 2026 بعدم تطبيق خصم الربع القانوني على الأراضي التي ستُستملك لصالح مشروع سكة حديد ميناء العقبة، وتعويض المالك عن كامل المساحة المستملكة وما عليها، أو إتاحة خيار مبادلتها بأرض مماثلة، هو بلا شك خطوة جيدة ومنصفة لحماية حقوق أصحاب الأراضي.
لكن يبقى سؤال مهم من الناحية الهندسية والعقارية: هل تعويض كامل الجزء المستملك يعني تعويض كامل الضرر الذي أحدثته السكة بالعقار؟الإجابة: ليس بالضرورة. ففي مشاريع السكك الحديدية لا يقتصر الضرر على مساحة الأرض التي تدخل ضمن حرم السكة، بل قد يمتد إلى قيمة الجزء المتبقي من العقار نفسه.
وهنا يختلف أثر السكة عن الطريق. فالطريق قد يقتطع جزءًا من الأرض، لكنه قد يمنح الجزء المتبقي واجهةً ووصولًا مباشرًا وخدمات وفرصًا للاستثمار، وقد يرفع قيمته في بعض المواقع.
أما مرور خط السكة الحديدية نفسه، بعيدًا عن المحطات، فلا يمنح الأرض المجاورة حق وصول إلى السكة؛ فالقضبان ليست شارعًا يستطيع المالك فتح مدخل عليه. بل قد يؤدي وجود السكة إلى انخفاض قيمة الأرض المتبقية لعدة أسباب واضحة:
• شطر قطعة الأرض إلى جزأين وصعوبة الانتقال بينهما.
• تقييد الوصول إلى أحد أجزاء العقار أو إطالة الطريق إليه.
• إنتاج أجزاء صغيرة أو ضيقة أو غير منتظمة الشكل تقل قابليتها للبناء أو الإفراز أو الاستثمار.
• فصل الأرض الزراعية عن الطريق أو المياه أو المنشآت والخدمات.
• فرض حواجز ومتطلبات سلامة تحد من حرية استعمال الأرض المحاذية.
• التعرض إلى الضوضاء والاهتزاز، خصوصًا مع قطارات الشحن.
• انخفاض جاذبية بعض الاستعمالات السكنية أو الاستثمارية الملاصقة للمسار.
وهذا ما يعرف في تقييم العقارات بـ Severance Damage؛ أي الضرر الذي يلحق بالجزء الذي لم يُستملك نتيجة تجزئة العقار أو تقييد الوصول إليه أو انخفاض إمكانات استعماله وقيمته السوقية.وللتوضيح:
إذا كانت قيمة أرض قبل المشروع 100 ألف دينار، واستُملك منها جزء قيمته 10 آلاف دينار، فإن تعويض المالك عن كامل العشرة آلاف يعني أنه حصل على 100% من قيمة الجزء المستملك. لكن إذا أصبحت قيمة الـ90 ألف دينار المتبقية، بعد مرور السكة، 70 ألفًا فقط بسبب التجزئة أو فقدان الوصول أو انخفاض قابلية الاستثمار، فهناك ضرر إضافي بقيمة 20 ألف دينار وقع على أرض لم تستملكها الدولة.لذلك فإن قرار الحكومة بإلغاء خصم الربع وتعويض كامل المستملك خطوة جيدة وفي الاتجاه الصحيح، لكنها لا تحقق العدالة الكاملة في استملاك السكك الحديدية إذا توقف التقييم عند حدود المساحة المأخوذة فقط.
فالمعيار الأكثر عدالة هندسيًا واقتصاديًا يجب أن ينظر إلى:قيمة العقار قبل مرور السكة، وقيمة الجزء المتبقي منه بعد مرورها.فالطريق قد يأخذ جزءًا من الأرض ويمنح ما تبقى منها وصولًا وقيمة إضافية، أما السكة فقد تأخذ جزءًا، وتشطر الباقي، وتخفض قيمته، من دون أن تمنح العقار أي حق وصول إلى مرفق النقل نفسه.
لذلك فإن الاستملاك العادل لا يعني فقط أن نعوّض المواطن عن الأرض التي أخذناها منه، بل أن نقيس بعدالة أيضًا ما فعله المشروع بقيمة الأرض التي تركناها له.







