اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شبلي يكتب: الأزمات الدولية والتحليل الاخباري في القنوات الفضائية

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

نتيجة لتزايد الأزمات وكثرة الحروب والنزاعات الكبرى التي اندلعت في بقاع عديدة في عالم اليوم، برزت الحاجة إلى خبراء ومحللين لشرح التطورات العسكرية والسياسية للمشاهدين. كما فرضت سرعة تدفق المعلومات بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، جلب الكثير من الأخبار غير المتاحة للتأكد من صحتها، مما جعل الناس يثقون أكثر بالمحللين المتخصصين عبر الشاشات. فضلاً عن تنامي حالة التنافس بين القنوات التلفازية والفضائية، التي تسعى لجذب أكبر عدد من المتابعين عبر تقديم برامج حوارية تعتمد على وجوه تحليلية قوية ومميزة.

هنا جاء التحليل الاخباري الذي هو مهمةودور إعلامي وفني تخصصي يعتمد على تفسير الأحداث وتقديم قراءات عميقة للمشاهدين. يشتمل على عدة مجالات رئيسية مثل التحليل السياسي، التحليل الرياضي، التحليل الاقتصادي، التحليل الاستخباري، والتحليل العسكري، وتتطلب كل من هذه المجالات مهارات خاصة لنقل المعلومة بدقة ووضوح.

بتعبير آخر هي عملية تفسير الأحداث الجارية، وربط السياقات ببعضها، واستشراف المآلات المستقبلية، وتعتمد على التفكير النقدي وفهم الخلفيات التاريخية والسياسية. 

ويقوم بهذا الدور وهذه العملية التي تحولت إلى مهنة المحلل الاخباري الذي تتحدد مهامه في جمع وتدقيق المعلومات عبر تتبع المصادر الموثوقة والبيانات المتاحة للوصول إلى الحقيقة، ومن ثم تفكيك الحدث من خلال قراءة ما بين السطور ومعرفة أسباب وخلفيات الظواهر السياسية أو الاقتصادية، وأخيراً تقديم التوقعات وبناء سيناريوهات منطقية ومستقبلية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور بناءً على المعطيات.

وبناءً على ذلك سعى المعنيون في وسائل الإعلام المرئية لتوظيف أعداد من ذوي الاختصاص لأداء مهمة التحليل الأخباري، وكان لا بد من توافر عدد من المواصفات الأساسية التي تكون مطلوبة فيمن يمارس هذه المهنة، مثل المعرفة التاريخية والعميقة والإلمام بجذور القضايا والملفات التي يتم تناولها، مع التحلي بالموضوعية والحياد وفصل الآراء الشخصية عن قراءة الواقع والأدلة المتاحة، مع قوة الصياغة التي تتمثل بالقدرة على تحويل الأفكار المعقدة إلى تقارير أو مقالات واضحة وموجزة.

وخلال السنوات القليلة الماضية شهدت هذه المهنة انتعاشاً كبيراً بسبب كثرة الأزمات العالمية، وتنوع الأحداث السياسية، ورغبة المشاهدين في فهم الخلفيات والتعمق لما وراء الأخبار السريعة، وتحديداً منذ اندلاع أزمة غزة ومن ثم أزمة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة المقابلة.

وظهر جلياً أن مجالتي التحليل السياسي والتحليل الاستخباري كان لهما دور السبق في حالة الحراك الإيجابي الذي شهدته مهنة التحليل الاخباري، فهذان المجالان يلتقيان بقراءة الأحداث، لكنهما يختلفان في طبيعة المصادر والهدف من وراء التحليل. فالمحلل  السياسي هو  شخص يدرس الاتجاهات والأحداث والقرارات السياسية ليفسر أسبابها ويتوقع ما سيحدث. ويظهر غالباً في وسائل الإعلام، أو يكتب مقالات، أو يقدم قراءات للرأي العام بناءً على معلومات ظاهرة ومعلنة. وفي الغالب يكون هدف المحلل السياسي توضيح الصورة السياسية المعقدة للناس ومساعدة المهتمين على فهم أبعاد الصراعات أو الانتخابات أو السياسات الخارجية.

أما المحلل الاستخباري فهو  موظف أو خبير يعمل غالباً داخل مؤسسات أمنية أو حكومية، ويقوم بدراسة معلومات دقيقة قد تكون سرية أو مخفية. ويعتمد في عمله التحليلي على تقاطع البيانات السرية، وتقييم المخاطر، واختبار الفرضيات، والتحقق من محاولات التضليل الخارجي. ويكون هدفه  تقديم تقارير دقيقة وموثوقة لصناع القرار (مثل الحكومات أو الجيوش) لحمايتهم من التهديدات واتخاذ قرارات استراتيجية مبكرة.

ويختلف التخصص المهني لكل من المحلل السياسي والمحلل الاستخباري بشكل جذري في طريقة جمع المعلومات وفي القدرات الذهنية والتقنية التي يحتاجها كل محلل. ويبدو ذلك الاختلاف في المجالات الآتية:

أولاً: الفرق في نوعية المصادر 

  1. مصادر المحلل السياسي: تكون في الغالب علنية ومتاحة، مثل وسائل الإعلام كالصحف العالمية، القنوات الإخبارية، والبيانات الرسمية للحكومات. كما يعتمد على الوثائق العامة كالدساتير، والقوانين، والاتفاقيات الدولية المنشورة.كما يستفيد من مراكز الأبحاث التي تقدم الدراسات الأكاديمية والتقارير الاستراتيجية المعلنة. فضلاً عن تواصل المحلل السياسي المباشر مع المعنيين عبر الحوارات مع الدبلوماسيين، والسياسيين، وصناع القرار في العلن.
  2. مصادر المحلل الاستخباري: تكون سرية ومتنوعة، ومن أبرزها:
  • الاستخبارات البشرية (HUMINT): الجواسيس، العملاء على الأرض، والمصادر البشرية السرية.
  • الاستخبارات الإشاراتية (SIGINT): اعتراض الاتصالات، والرسائل المشفرة، والإشارات اللاسلكية.
  • الاستخبارات المصورة (IMINT): صور الأقمار الصناعية العسكرية والتقنيات التصويرية المقيدة.
  • المصادر المفتوحة (OSINT): تحليل البيانات العامة بطرق استخباراتية متقدمة لكشف المخفي.

ثانياً: المهارات المطلوبة لكل تخصص

  1. مهارات المحلل السياسي
  2. مهارات المحلل الاستخباري
  • التواصل والإلقاء: القدرة على الحديث أمام الكاميرات وتبسيط الأفكار المعقدة للجمهور.
  • الكتابة الإبداعية: صياغة مقالات رأي وتقارير تحليلية جذابة وسلسة.
  • الخلفية التاريخية: معرفة عميقة بالتاريخ السياسي والعلاقات الدولية.
  • البلاغة والإقناع: القدرة على بناء حجة سياسية قوية ومناقشة الآراء المعارضة.
  • التفكير النقدي الصارم: القدرة على كشف التضليل، والخدع، وتجنب الانحيازات الشخصية تماماً.
  • التعامل مع البيانات الضخمة: فرز وتدقيق آلاف المعلومات المتناثرة لربطها ببعضها.
  • السرية والانضباط: العمل تحت ضغط عالٍ مع التزام تام بكتمان المعلومات الحساسة.
  • المهارات التقنية: استخدام برامج التحليل الجغرافي، والتشفير، وقواعد البيانات المعقدة.

ثالثا: الجهات والوظائف لكل تخصص 

تختلف الجهات وأماكن العمل بين المحللين بناءً على طبيعة الأهداف، حيث يعمل المحلل السياسي في بيئات منفتحة وتنافسية، بينما يعمل المحلل الاستخباري في بيئات حكومية أو أمنية مغلقة ومقيدة.

  1. الجهات التي توظف المحلل السياسي
  2. المسميات الوظيفية الشائعة للمحلل السياسي
  • المؤسسات الإعلامية: القنوات الإخبارية، الصحف الدولية، والمواقع التحليلية.
  • مراكز الفكر والأبحاث (Think Tanks): معاهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المستقلة أو الحزبية.
  • المنظمات الدولية: الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية (NGOs)، والهيئات الإغاثية.
  • الحملات الانتخابية: الأحزاب السياسية والمرشحون للمناصب العامة.
  • خبير / مستشار سياسي: تقديم استشارات للأحزاب أو صناع القرار حول التوجه العام للجمهور.
  • محلل شؤون دولية / إقليمية: تخصص في منطقة جغرافية معينة لصالح شبكة إخبارية.
  • باحث استراتيجي: إعداد دراسات موسعة حول مستقبل العلاقات بين الدول.

  ج. الجهات التي توظف المحلل الاستخباري

  • أجهزة المخابرات والأمن: الوكالات السيادية المسؤولة عن الأمن القومي والدفاع الخارجي.
  • الجيوش والقوات المسلحة: شعب الاستخبارات العسكرية وإدارة العمليات.
  • الوزارات السيادية: وزارات الخارجية والداخلية والدفاع (في أقسام تقييم المخاطر والتخطيط).
  • الشركات العابرة للقارات: شركات النفط، والمصارف الكبرى، وشركات الأمن السيبراني (لحماية أصولها من المخاطر الجيوسياسية).

   د. المسميات الوظيفية الشائعة للمحلل الاستخباري

  • محلل أمن قومي: دراسة التهديدات الخارجية التي تمس أمن الدولة.
  • محلل استخبارات عسكرية: تقييم قدرات وتحركات جيوش الدول الأخرى أو الجماعات المسلحة.
  • محلل مخاطر جيوسياسية: وظيفة في القطاع الخاص لتقييم أمن الاستثمارات في الدول غير المستقرة.
  • محلل استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT Analyst): تتبع البيانات الرقمية والخرائط ومواقع التواصل لكشف التهديدات.

ويتطلب دخول هذين المجالين خلفيات أكاديمية متخصصة، حيث يركز المحلل السياسي على العلوم الإنسانية والدبلوماسية، بينما يجمع المحلل الاستخباري بين العلوم السياسية، والتقنية، واللغات، والتحليل الأمني.

المسار الأكاديمي لكل تخصص

أولاً: المسار الأكاديمي للمحلل السياسي

  1. التخصصات الجامعية (بكالوريوس / ماجستير)
  2. الشهادات المهنية والدورات الداعمة
  • العلوم السياسية: التخصص الأساسي لفهم أنظمة الحكم والسياسات العامة.
  • العلاقات الدولية: لدراسة التفاعلات بين الدول، الدبلوماسية، والمنظمات الدولية.
  • التاريخ الحديث والمعاصر: لفهم الجذور التاريخية للصراعات السياسية الحالية.
  • الصحافة والإعلام السياسي: لبناء مهارات التواصل والتحليل الموجه للجمهور.
  • دورات في التحليل الإحصائي للعلوم الاجتماعية مثل برامج  SPSS .
  • شهادات تدريبية من مراكز الأبحاث المعتمدة في كتابة الأوراق السياسية.

ثانياً: المسار الأكاديمي للمحلل الاستخباري

  1. التخصصات الجامعية (بكالوريوس / ماجستير)
  2. الشهادات المهنية والدورات الداعمة
  • الدراسات الأمنية والاستراتيجية: تخصص يركز مباشرة على الأمن القومي وإدارة الأزمات.
  • الأمن السيبراني وعلم البيانات: مطلوب جداً حالياً لتحليل البيانات الضخمة والاستخبارات الرقمية.
  • اللغات الأجنبية (والترجمة): دراسة لغات حيوية أو نادرة (مثل الصينية، الروسية، الفارسية) ميزة كبرى.
  • علم الجريمة أو علم النفس السياسي: لفهم سلوكيات الجماعات المتطرفة أو القادة الأجانب.
  • شهادات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT): مثل شهادات SANS الجنائية والرقمية.
  • دورات تحليل البيانات المتقدمة والذكاء الاصطناعي مثل استخدام لغة Python  في التحليل.
  • شهادات في تحليل المخاطر الجيوسياسية وإدارة الأزمات الأمنية.

وبينما يمكن للمحلل السياسي العمل مباشرة بعد التخــرج من الجامعة بناءً على أبحاثه وكتاباته، فإن المحلل الاستخباري يخضع غالباً لـفحص أمني دقيق وصارم (Security Clearance)  من قِبل الأجهزة الحكومية قبل قبول تعيينه، بغض النظر عن شهادته الأكاديمية.

 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية