اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: "سد الذرائع": من الفقه إلى التسييس..! (1)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


السياق الإسلامي «سدّ الذرائع» هي قاعدة أصولية في الفقه الإسلامي، تعني –باختصار- منع الوسائل والأفعال المباحة في أصلها إذا كان يُخشى أن تؤدي غالبًا إلى محرّم أو مفسدة. وهي تقوم على مبدأ الوقاية من الوقوع في الحرام بإغلاق الطرق المؤدية إليه. وقد توسّع في اعتمادها فقهاء المالكية والحنابلة خصوصًا، مع اختلاف العلماء في نطاق تطبيقها وحدودها.
 

لكنّ هذه القاعدة التي كانت مقصورة الاستخدام على الأوساط الفقهية شرعت في السنوات الأخيرة في غزو الخطابات السياسية العربية، وتحولت فجأة من قاعدة فقهية احترازية إلى فلسفة كاملة في النظر إلى صراعات الإقليم. ويستند هذا الجديد، الذي يوظفه «شيوخ» و»علمانيون» على حد سواء، على فكرة بسيطة: إذا كان فعلٌ ما سيؤدي إلى رد فعل أشد ضررًا، فإن الحكمة تقتضي الامتناع عنه حتى تتغير الظروف وتصبح موازين القوى أكثر ملاءمة. وهذا المنطق معقول عندما يتعلق بتصرفات فردية أو نزاعات محدودة، لكنه يثير أسئلة عميقة عندما يصبح القاعدة الحاكمة لمسار الشعوب الواقعة تحت الاستعمار أو الهيمنة.
ربما يحسن البدء باختبار هذا المنطق بإخضاعه لأعظم تجربة تأسيسية في التاريخ الإسلامي نفسه، كما قرأناها في كتب التاريخ: كيف كان يمكن أن تسير الدعوة الإسلامية لو أن المؤمنين الأوائل بالفكر الجديد –الثوري في الحقيقة- قرأوا واقعهم بهذه الطريقة.
بدأت الدعوة الإسلامية في مكة وسط بيئة معادية بصورة شبه كاملة. كان المسلمون أقلية صغيرة لا تملك سلطة سياسية، ولا قوة عسكرية، ولا نفوذًا اقتصاديًا، ولا سندًا قبليًا قادرًا على حمايتها. وكان ميزان القوة يميل بصورة ساحقة لصالح قريش. ولو قيل يومها إن الحكمة تقتضي تأجيل الجهر بالدعوة حتى يختل ميزان القوى لصالح المؤمنين، أو حتى يصبح احتمال الانتقام ضعيفًا، لما تجاوز الإسلام حدود الحلقة الأولى من المؤمنين.
صحيح أن المرحلة المكية لم تشهد قتالًا، لكنها لم تكن مرحلة انتظار سلبي. كانت مرحلة بناء الإنسان، وتكوين الجماعة، وصناعة العقيدة، وتغيير الوعي، وتحمل الاضطهاد، وإعلان الرسالة في وجه مجتمع يرفضها. ولم يتوقف المشروع لأن موازين القوى كانت مختلة، ولم يتم تعليقه إلى حين توافر ظروف أكثر ملاءمة. كانت صناعة القوة نفسها جزءًا من الفعل التاريخي، وليست شرطًا سابقًا عليه.
عندما انتقلت الدعوة إلى المدينة، لم تختفِ الفجوة الهائلة في القوة. ومع ذلك، كان المسلمون في غزوة بدر أقل عددًا وعدة، لكنهم «استفزوا» قريش باعتراض قافلتها. وفي معركة أُحد تعرضوا لخسارة قاسية في معركة مفروضة. وفي «الأحزاب» واجهوا تحالفًا هدد وجودهم كله، وواجهوه بالاستراتيجيات الدفاع الدنيوية. وفي كل ذلك لم يكن معيار اتخاذ القرار هو انتظار لحظة يصبح فيها ميزان القوة مضمونًا بالكامل. وتمت إدارة الصراع بإدراك الواقع –وإنما مع العمل الحثيث على تغييره.
وفي «صلح الحديبية» الذي يوظفه مروجو «سد الذرائع» كمثال على الانسحاب الحكيم من المواجهة أو تأجليها، عاد المسلمون إلى المدينة من غير أن يؤدوا العمرة، وقبلوا شروطًا رآها كثير من الصحابة مجحفة. لكنّ ذلك التراجع المؤقت لم يكن في الحقيقة انسحابًا من المشروع جملة وتفصيلًا أو قبولًا دائمًا بـ»الأمر الواقع». كان خطوة فقط ضمن استراتيجية أوسع استثمرت الهدنة في توسيع قاعدة الدعوة والتعبئة، حتى عاد المسلمون بعد عام واحد إلى مكة معتمرين، ثم دخلوا المدينة نفسها بعد فترة قصيرة فاتحين. كان التأجيل في هذه الحادثة وسيلة لتعظيم القوة، واستعدادًا عمليًا للمواجهة ولم يكن وسيلة لتعليق التاريخ.
ثمة فارق مهم بين التفكير الاستراتيجي ومنطق الانتظار التائه المفتوح. الأول يؤجل معركة من أجل معركة أخرى؛ أو يغير وسيلة لتحقيق الغاية نفسها؛ أو يعيد ترتيب الأولويات بما يزيد القدرة على النجاح. والثاني يحوّل اختلال موازين القوى إلى مبرر دائم لتعليق الفعل حتى يصبح انتظار تغير الظروف سياسة –أو السياسة كلها.
لو أن القراءة المعاصرة الانسحابية لـ»سد الذرائع» سادت في التجربة الإسلامية الأولى، لاستسلم المؤمنون الأوائل على الأغلب لشواغل من قبيل: لماذا نجاهر بالدعوة (الثورية التغييرية في وقتها) ما دام ذلك سيستجلب الاضطهاد؟ لماذا نهاجر إذا كانت الهجرة ستثير عداء وقسوة قريش؟ لماذا نقاتل في «بدر» و»أحد» و»الأحزاب» مع هذا التفاوت الهائل في القوة؟ لماذا نغامر بأي خطوة قد تؤدي إلى خسائر أكبر؟ وكانت الإجابة المنطقية، وفق هذا التصور، ستكون الانسحاب من المشروع أو -تأجيل كل شيء إلى أن يصبح ميزان القوة متكافئًا.
لكنّ التاريخ الإسلامي –كما وصل إلينا- يقدم جوابًا مختلفًا. لقد نشأت القوة الإسلامية وصعدت لأنها بدأت من موقع الضعف، وليس لأنها انتظرت نهايته. ولم يكن اختلال ميزان القوى سببًا لتعليق المشروع، وجرى التعامل معه كواحد من المعطيات ببناء القوة السياسية والاجتماعية والعسكرية والفكرية بلا توانٍ ولا وهن.
في التجربة الإسلامية بدأت الفكرة صغيرة، ثم صنعت جماعة، ثم بنت مجتمعًا، ثم أقامت دولة، ثم غيرت موازين القوى في الجزيرة العربية كلها –وفي العالم كله. وفي كل ذلك عمل المؤمنون الأوائل على خلق اللحظة المثالية بدلًا من انتظارها، وكانوا يتعاملون مع الواقع كما هو، لكنهم سعوا إلى تغييره بلا أوهام –وإنما من دون استسلام. ومع أهمية فكرة القدَر في الفهم الإسلامي، لم ير المسلمون الأوائل اختلال ميزان القوى قدرًا ثابتًا، وإنما نتيجة لمسار تاريخي من صنع البشر. ولو أنهم انتظروا حتى يصبحوا الطرف الأقوى قبل أن يبدأوا مشروعهم لما اكتسبوا القوة من الأساس. وقد فهموا أن تحويل اختلال موازين القوى إلى سبب دائم لتعليق الفعل لا يحمي الأمة من المخاطر بقدر ما يحرمها من الوسيلة الوحيدة القادرة على تغيير الموازين.
من هذا المنظور للتجربة الإسلامية، يصبح تعميم «سد الذرائع» بوصفه فلسفة سياسية تحكم كل أشكال المقاومة والتحرر عسير القبول. إنه تصور يفترض أن الزمن يعمل تلقائيًا لمصلحة الطرف الأضعف، وأن الامتناع عن الفعل يقلل المخاطر. لكن التاريخ يشير إلى العكس في كثير من الأحيان. لم تتراجع الاحتلالات والاستعمارات لأن خصومها انتظروا، وإنما لأنهم غيّروا، بدرجات متفاوتة، موازين القوى التي بدت في لحظة مستحيلة التغيير. وثمة ما يكفي من الشواهد على حدود منطق «سد الذرائع» ومآلاته -في تاريخ الاستعمار، والتجربة الفلسطينية والخبرة العربية المعاصرة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية