اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

النقرش يكتب: "هل يكفي أن ينمو الاقتصاد على الورق؟"

{title}
أخبار الأردن -


 د: ابراهيم النقرش.        

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن تحقيق معدلات نمو اقتصادي جديدة، يعود السؤال ذاته ليتردد على ألسنة المواطنين: إذا كان الاقتصاد ينمو، فلماذا لا تنمو حياتنا معه؟

آخر التصريحات الحكومية تحدثت عن نمو الاقتصاد الوطني بنسبة (2.9%)، وارتفاع الصادرات، واستقرار التضخم، وتحسن مؤشرات البورصة، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية. وهي مؤشرات قد تكون صحيحة من الناحية الإحصائية، لكن الاقتصاد لا يُقاس بالأرقام المجردة وحدها، وإنما بما تتركه تلك الأرقام من أثر في حياة الناس.

فالاقتصاد ليس تقارير تصدر، ولا مؤشرات تعلن، ولا نسب نمو تتصدر الأخبار، بل هو قدرة المواطن على الحصول على فرصة عمل، وأن يعيش بكرامة، وأن يكفي دخله احتياجات أسرته، وأن يشعر بأن جهده ينعكس على مستوى معيشته.

وهنا تكمن المفارقة التي تحتاج إلى تفسير. فإذا كانت المؤشرات الكلية تتحسن كما تقول الحكومة، فلماذا لا يزال الفقر والبطالة وتآكل القوة الشرائية هي العناوين الأبرز في أحاديث المواطنين؟ ولماذا أصبحت الطبقة الوسطى، التي تمثل عماد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، تتعرض لضغوط متزايدة عاماً بعد عام؟

لقد أثبتت التجارب الاقتصادية في العالم أن النمو وحده لا يكفي. فهناك فرق كبير بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية. فقد يرتفع الناتج المحلي، بينما تبقى البطالة على حالها، وقد تزداد الصادرات دون أن تتحسن الأجور، وقد ترتفع أرباح الشركات دون أن يشعر المواطن بأي تحسن في مستوى معيشته.

وهذا ما يسميه علماء الاقتصاد “النمو غير الشامل”، وهو النمو الذي تستفيد منه قطاعات محددة أو شرائح محدودة، بينما يبقى معظم المجتمع خارج دائرة الاستفادة.

كما أن الحديث عن انخفاض التضخم يحتاج إلى توضيح. فالتضخم المنخفض لا يعني أن الأسعار انخفضت، وإنما يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ. أما المواطن الذي يشتري احتياجاته يومياً، فلا يعنيه معدل التضخم بقدر ما يعنيه كم بقي في راتبه بعد دفع التزاماته الأساسية.

إن نجاح السياسة الاقتصادية لا يقاس بارتفاع الاحتياطيات الأجنبية وحدها، ولا بتحسن مؤشرات البورصة، ولا بزيادة الصادرات فحسب، وإنما يقاس بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف منتجة، وتحسين الأجور، وتقليص الفقر، وتعزيز الطبقة الوسطى، وتحقيق عدالة في توزيع ثمار النمو بين مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية.
إن الاقتصاد لا يقاس بقدرته على إنتاج الأرقام، بل بقدرته على إنتاج الأمل. وإذا كانت الحكومة واثقة من أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح، فإن أفضل دليل على ذلك ليس المؤتمرات الصحفية ولا البيانات الرسمية، وإنما أن يرى المواطن أثر هذا النمو في فرصة عمل، وراتب كريم، وخدمات أفضل، وانخفاض ملموس في الفقر والبطالة. فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يكتمل إلا عندما يصبح المواطن شريكاً في ثمارها، لا مجرد مستمع إلى أرقامها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية