اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

جبارة يكتب : أحزاب اليقظة

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور عبدالله جبارة

لم تكن مرحلة التحديث السياسي في الأردن مجرد تعديل تشريعي او إعادة ترتيب لقواعد المنافسة الانتخابية بل كانت محاولة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة والانتقال من مرحلة السياسة الفردية إلى مرحلة العمل السياسي المنظم القائم على البرامج والرؤى والمؤسسات

ومع دخول الدولة مئوية جديدة عنوانها التعزيز والبناء وبعد إطلاق مسار التحديث السياسي والإداري والاقتصادي كان الرهان الأكبر على الأحزاب باعتبارها العمود الفقري للحياة السياسية القادمة والأداة التي ستنقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة القرار لكن بعد مرور فترة على هذا التحول يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله هل نجحت الأحزاب في التحول من كيانات قانونية مسجلة إلى مؤسسات سياسية حية 

فالحزب الحقيقي لا يولد من ورقة تسجيل ولا يكتسب شرعيته من عدد الأعضاء المسجلين ولا من حجم الشعارات التي يرفعها الحزب يولد من المجتمع ويكبر بثقة الناس ويستمر بقدرته على التعبير عن قضاياهم وتحويل همومهم إلى برامج وسياسات ,اليوم نجد أن جزءا من المشهد الحزبي يعاني من أزمة حضور وأزمة هوية في آن واحد أحزاب تتحدث عن الفكر والبرامج الوطنية لكنها لم تنجح بعد في بناء علاقة يومية مع المجتمع أحزاب تمتلك خطابا سياسيا كبيرا لكنها تفتقر إلى الفعل السياسي الحقيقي أحزاب حاضرة في الفضاء الرقمي لكنها غائبة عن الشارع

وهنا تكمن المفارقة فالحزب الذي لا يسمعه المواطن في قضايا حياته اليومية ولا يراه في الجامعات والمجتمعات المحلية ولا يلمس أثره في الملفات الوطنية يصبح مجرد كيان إداري يحمل اسم حزب دون أن يمتلك جوهر العمل الحزبي و إن أكبر تحد تواجهه بعض الأحزاب اليوم ليس المنافسة السياسية بل الانتقال من عقلية الحزب كأداة للقيادة الفردية إلى مفهوم الحزب كمؤسسة جماعية فما زالت بعض التجارب الحزبية أسيرة نموذج الرجل الواحد حيث تختزل المؤسسة في شخص وتصبح القرارات مرتبطة بمركز واحد وتتحول الهياكل التنظيمية إلى إجراءات شكلية تزين أوراق الحزب  بدل أن تكون أدوات لصناعة القرار

هذه العقلية لا تتعارض فقط مع روح العمل الحزبي الحديث بل تتناقض مع جوهر الأحزاب نفسها فالأحزاب في العالم لم تنجح لأنها امتلكت شخصيات قوية فقط بل لأنها بنت مؤسسات قادرة على التجدد وإنتاج القيادات وتداول المسؤولية واستيعاب الاختلاف وتحويل التنوع الداخلي إلى قوة سياسية أما الحزب الذي يخشى التغيير الداخلي ويعتبر النقد تهديدا ويغلق الأبواب أمام الطاقات الجديدة فهو لا يبني مستقبلا سياسيا بل يحافظ على واقع مؤقت سرعان ما يصطدم بتغيرات المجتمع

ومن منظوري الشخصي كشاب اردني فإن التحدي أكثر وضوحا فالشباب الذين طلب منهم أن يكونوا جزءا من مشروع التحديث السياسي لا يريدون أن يكونوا مجرد أرقام في قوائم العضوية ولا حضورا شكليا في الفعاليات والصور يريدون أحزابا و حواضن تمنحهم دورا حقيقيا ومساحة لصناعة القرار وفرصة لتحويل أفكارهم إلى سياسات فالجيل الجديد لا يبحث عن حزب يطلب منه التصفيق بل عن حزب يستمع إليه ولا يريد مواقع تنظيمية شكلية بل يريد فرصة للمشاركة والتأثير ولا يريد خطابا عن التغيير بل يريد أن يرى التغيير داخل الحزب نفسه قبل أن يراه في الدولة والمجتمع

ومن المؤشرات التي يجب التوقف عندها أن بعض الأحزاب أصبحت تظهر فقط في المناسبات الوطنية أو الفعاليات العامة بينما تغيب عن المساحات التي تتشكل فيها القضايا الحقيقية للمواطنين تختفي عند نقاش البطالة والتعليم والاقتصاد والإدارة المحلية وتظهر عند التقاط الصور

والحزب الذي لا يمتلك القدرة على تنظيم حوار داخل مقره أو استقطاب أعضائه أو بناء حضور مجتمعي مستمر عليه أن يراجع نفسه بجدية فالقضية ليست عدد المقاعد التي قد يحصل عليها الحزب في مرحلة انتخابية بل قدرته على بناء ثقة طويلة الأمد مع المجتمع إن بعض المظاهر التنظيمية الحالية تكشف أزمة خطيرة أعمق من مجرد ضعف المشاركة إنها أزمة ثقافة سياسية فعندما تصبح بعض المؤتمرات والاجتماعات الحزبية عاجزة عن جمع عدد محدود من المهتمين بينما تستطيع مبادرات مجتمعية وجمعيات وتجمعات شبابية أن تحشد وتتفاعل وتؤثر فإن السؤال يصبح مشروعا أين الخلل وهل المشكلة في عزوف المجتمع عن السياسة أم في طريقة تقديم الأحزاب للسياسة

إن مشروع التحديث السياسي لا يمكن أن ينجح بأحزاب قديمة التفكير تعمل بأدوات جديدة فالقانون قد يفتح الباب لكنه لا يصنع الحياة داخل الأحزاب والتشريع قد يمنح الفرصة لكنه لا يصنع الثقافة التنظيمية وحدها المراجعة الداخلية الصادقة قادرة على بناء أحزاب تمتلك الشرعية السياسية والاجتماعية اليوم نحن بحاجة إلى أحزاب يقظة أحزاب تستيقظ على حقيقة أن زمن الشخصنة انتهى وأن زمن العمل السياسي المغلق انتهى وأن المجتمع لم يعد يقبل أن تكون السياسة موسما انتخابيا أو مناسبة بروتوكولية

الأردن لا يحتاج إلى زيادة عدد الأحزاب فقط بل يحتاج إلى زيادة جودة الأحزاب لا يحتاج إلى أحزاب أكثر على الورق بل إلى أحزاب أكثر تأثيرا في الواقع

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية