عياصره يكتب: كلمات في محاربة الفساد والتحريض على قطع اليد التي تمتد الى المال العام
د. رامي عياصره
ضمن الحديث المتواصل بخصوص إقالة او استقالة وزير العمل، من الطبيعي أن يتردد صداها في الرأي العام لأنها بكل بساطة مسألة تهم الاردنيين، وهذا وطنهم الذي يحبونه ويغارون عليه، وقد ابتلي الاردن من متسلقين كثر امتطوا أرفع المناصب العامة، وثبت لاحقا فسادهم، وتطاول أيديهم على المال العام، واستثمار مواقعهم للاثراء على حساب جيوب الاردنيين، ومنهم من حوّل الى القضاء، وحوكم ، وأكمل محكوميته، وهو الآن في بيته.
فلماذا التخويف والتهويل في قضية وزير العمل، وكأنها اختراع للعجلة من جديد، أو تصويرها على أنها نهاية البيروقراطية الاردنية، او طعنا فيها ..؟!!
في كل دول الدنيا يوجد فيها فساد بشقيه: المالي والاداري، والفرق في وجود الفساد بين الدول في حجمه ومدى انتشاره، والأهم قدرة الدولة المالية والاقتصادية على تحمله، في حال تفشيه، او محاربته ومحاصرته، والقضاء عليه.
عودا على قصة فتح ملف وزير العمل، او غيره، المسألة بكل تأكيد ليست مرتبطة بشخصه، ومحاولة البعض وضع المسألة في سياق الخصومة السياسية لجهة ما، او تيار سياسي معين، هو محض افتراء، ويجافي الصواب تماما، و وما هو إلا اصطياد في الماء العكر، ومن يقول ذلك يريد اعادة خلط الأوراق أمام مراكز صنع القرار أولاً، وأمام الرأي العام ثانياً، بدوافع بات من الواضح أنها غير بريئة.
المسألة الأخرى التي أود قولها انه ليس صحيحا أن توترا ما عندما يقع بين رئيس الحكومة وأحد وزرائه، ويظهر على العلن فان هذا يستنزف صورة الدولة الأردنية، هذا زعم غير صحيح، وتغميس خارج الصحن.
الدولة القوية هي التي تمتلك القدرة والجرأة على محاسبة كل مقصر، وتحويل كل فاسد الى العدالة، دون حكم مسبق أو اغتيال سياسي للشخصيات، وانما من خلال المعالجة القانونية الصحيحة، وأمام القضاء العادل تظهر الحقائق.
الدولة القوية والواثقة من نفسها هي التي لا ترى شخصا مهما بلغ موقعه او كَبُر منصبه أكبر من الدولة ومصالحها، وحرمة مالها العام، الذي جاء المسؤول اساساً لحفظه وحمايته، كمستأمن عليه، وليس حاميها حراميها، وانا هنا اتحدث بالمبدأ العام .
الدولة الراسخة هي التي تكسب ثقة مواطنيها دافعي الضرائب والرسوم، وتعزز هذه الثقة من خلال تفعيل المبدأ الدستوري في تلازم السلطة والمسؤولية، وأن السلطة المنفلتة من الرقابة والمحاسبة تحت أي ذريعة كانت، هي سلطة مطلقة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
مَن الذي يريد هدم البيروقراطية الاردنية، الذي يدعوا الى " لفلفة " المسألة، وكأن شيئا لم يكن، أم الذي يريد أن تكون ماكنة الدولة البيروقراطية تعمل بكامل كفاءتها، وتنفي خبث الفساد، وتعري المفسدين ؟!!
ودعوني اقولها بالبلدي : " كيف ركبت هاي معكوا وطلعتوا بالمعادلة المعكوسة ؟؟!!"
إن مَن يدعو اليوم الى " لفلفة " المسألة ، وطي صفحتها بالترضيات والتسويات، وأنصاف و أرباع الحلول لا يريد خيرا لا للحكومة ورئيسها، ولا لنظامنا السياسي ، ولا لمراكز ثقل القرار ، وخاصة مع تصويرها على أنها تتستر على الفساد والفاسدين، في حين أنها تعمل حثيثا وجاهدة لحفظ البلد وأمنه، ومنعته واستقراره، ومحاسبة المقصرين، ومحاربة الفساد والمفاسدين يصبّ حتما في بوتقة استقرار هذا الوطن الذي نعشقه ونحميه جميعا.
وانا عنا أهمس في أذن أصحاب القرار ناصحا مخلصا، لا تستمعوا الى المتزلفين ، ولا الى المهرجين على المسارح السياسية، ممكن امتهنوا توزيع الاتهامات، واشاعة التشكيك بالرأي العام، وتصوير الاردنيين على أنهم طرف، بمقابل حكومتهم بل ودولتهم، في حين أن الأردنيين يحبون هذا الوطن كحبهم لأبنائهم، ويحرصون عليه كحرصهم على بيوتهم، وهم لا يرون أنفسهم إلا جزء منه، لا جزء منفصلا عنه، وهذا هو سر اهتمامهم بكل قضية تمس الشأن العام، لا بدافع الانتقام والتشويه، واغتيال الشخصيات، لا قدر الله، كما يحلوا للبعض وصفهم.
هذا بلدنا، نعي تماما أنه ولد من رحم المعاناة، وفي كل مرحلة من مراحل تاريخه الحديث كان يدفع اثمانا باهضة لقاء مواقفه العروبية والقومية.
نظر اليه المرجفون بأنه الاصغر والاضعف، فكان الأقوى والأمتن في وجه كل الأنواء والعاتيات، كما كان يقول الحسين رحمه الله. فقدم النموذج الأرفع والأنصع في المنطقة، لأن فيه رجال احاطوه بأهداب عيونهم حرصا عليه، وحماية له.
ختاما أقول، لا يتحرك الرأي العام الأردني بدافع التشفي والانتقام، هذه ليست من شيم الأردنيين النشامى، هذه تهمة تطعن في وطنيتهم، مَن تفوه بها عليه أن يقدم اعتذاره لهم ، وليس صحيحا أن الرأس العام الاردني يعجبه أن يرى مظلوما خلف القضبان، بتهمة باطلة وتلفيق رخيص، ولكننا ننشد وطنا قوياً صلباً، عصياً على النفوس المريضة، والأيدي الجبانة، بل ونحرض على قطع كل يد تمتد الى المال العام، من أكبر مسؤول الى أصغر موظف، من غير حصانة لأحد.







