زيدان تكتب:تجربة مشرقة في وزارة الإدارة المحلية: حين يبدأ الإصلاح المالي من البلديات
بقلم: د. حلا زيدان
استاذ مشارك - قسم المحاسبة - الجامعه الاردنية
في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى تحديث الإدارة العامة وتعزيز كفاءة استخدام المال العام، تبرز تجربة وزارة الإدارة المحلية في الأردن كنموذج وطني واعد يستحق الإضاءة عليه. فالإصلاح المالي لا يبدأ دائمًا من الملفات الكبرى والعناوين الواسعة، بل قد يبدأ من المكان الأقرب للمواطن: البلدية.
فالبلديات ليست وحدات إدارية هامشية، بل هي خط التماس المباشر بين الدولة والمواطن. ومن خلالها تُدار خدمات يومية تمس حياة الناس، مثل البنية التحتية، والنظافة، والتنظيم، والمشاريع المحلية، والخدمات المجتمعية. لذلك، فإن تطوير الإدارة المالية في البلديات لا ينعكس فقط على جودة الأرقام والتقارير، بل ينعكس على جودة القرار، وحسن التخطيط، وكفاءة تقديم الخدمة العامة.
ومن هنا تأتي أهمية التجربة التي تقودها وزارة الإدارة المحلية في التحول نحو نظام مالي أكثر تطورًا، قائم على الانتقال التدريجي من الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق. وبحسب المعلومات المتاحة حتى منتصف شهر حزيران 2026، فقد تم تطبيق النظام في 16 بلدية من أصل 104 بلديات، أي ما يقارب 15% من البلديات. وهذه النسبة، رغم أنها ما تزال تمثل مرحلة انتقالية، إلا أنها تحمل دلالة مهمة: الإصلاح بدأ فعليًا، ولم يعد مجرد فكرة مؤجلة أو نقاش نظري.
إن الانتقال من الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق ليس تغييرًا فنيًا بسيطًا في طريقة تسجيل العمليات المالية، بل هو تحول جوهري في طريقة فهم المال العام وإدارته. فبينما يركز الأساس النقدي على ما تم قبضه أو دفعه فعليًا، يوفر أساس الاستحقاق صورة أوسع وأكثر دقة عن الالتزامات، والأصول، والتكاليف، والإيرادات، والمركز المالي الحقيقي للمؤسسة العامة. وهذا يعني أن صانع القرار يصبح أكثر قدرة على قراءة الواقع المالي كما هو، لا كما يظهر فقط من حركة النقد.
وتزداد أهمية هذا التحول في البلديات تحديدًا؛ لأن البلديات تملك أصولًا، وتدير خدمات، وتتحمل التزامات، وتتعامل مع مشاريع طويلة الأمد. ومن دون نظام مالي قادر على إظهار هذه الجوانب بوضوح، تبقى الصورة المالية ناقصة. أما عندما تتطور المعلومة المالية، فإن البلدية تصبح أكثر قدرة على تحديد أولوياتها، وقياس كلفة خدماتها، وتحسين إدارة مواردها، وتقديم تقارير أكثر شفافية للجهات الرقابية وصناع القرار والمواطنين.
ومن الجوانب المضيئة في هذه التجربة أن التحول لم يقتصر على تفعيل النظام المالي فقط، بل رافقه تدريب فعلي للكوادر المالية في البلديات. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الأنظمة وحدها لا تصنع الإصلاح. النظام قد يوفر الأداة، لكن الكفاءات البشرية هي التي تمنح هذه الأداة معناها الحقيقي. فنجاح التحول المالي يحتاج إلى موظفين قادرين على فهم منطق أساس الاستحقاق، وتطبيقه في التسجيل والمتابعة وإعداد التقارير، وربط الأرقام بالقرار المالي والإداري.
واللافت في تجربة وزارة الإدارة المحلية أنها تعاملت مع التحول باعتباره مشروع بناء قدرات، لا مجرد مشروع نظام مالي. وهذا التوجه يستحق التقدير؛ لأن كثيرًا من مشاريع التحول تفشل عندما تنشغل بالتقنية وتنسى الإنسان. أما حين يتزامن تطوير النظام مع تدريب الكوادر، فإن فرص النجاح والاستدامة تصبح أكبر، ويصبح الإصلاح أكثر التصاقًا بالواقع العملي.
كما أن هذه التجربة تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول جاهزية الأردن للتحول التدريجي نحو معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام IPSAS وهنا لا بد من التمييز بين تطبيق نظام مالي محوسب يدعم أساس الاستحقاق، وبين التطبيق الكامل لمعايير IPSAS بما تتطلبه من اعتراف وقياس وإفصاح وعرض للقوائم المالية. لكن ما قامت به وزارة الإدارة المحلية يمثل خطوة تأسيسية مهمة في هذا الاتجاه، ويمكن أن يشكل قاعدة عملية لتوسيع الإصلاح المحاسبي في القطاع العام الأردني.
فمعايير IPSAS لا تعني فقط تغيير شكل القوائم المالية، بل تعني تطوير فلسفة الإفصاح والمساءلة في القطاع العام. وهي تساعد على تقديم معلومات مالية أكثر موثوقية وقابلية للمقارنة، وتدعم الرقابة، وتعزز الثقة بالمؤسسات العامة. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة البلديات يمكن أن تكون مختبرًا وطنيًا مهمًا لفهم تحديات التطبيق، وبناء الأدلة، وتطوير النماذج، قبل الانتقال إلى مراحل أوسع وأكثر شمولًا.
إن وجود نظام مالي محوسب ومتطور في البلديات يدعم أيضًا مسار التحول الرقمي في الإدارة العامة. فالتحول المالي اليوم لا ينفصل عن التحول الرقمي؛ إذ أصبحت جودة القرار تعتمد على جودة البيانات، وسرعة الوصول إليها، ودقتها، وقابليتها للتحليل. وكلما تحسنت البيانات المالية في البلديات، تحسنت قدرة الوزارة والجهات الرقابية على المتابعة، والتقييم، وتحليل الأداء، وتحديد مواطن القوة والضعف.
ومن المهم كذلك أن نقرأ هذه التجربة في إطار المفهوم الحديث للرقابة على المال العام. فالرقابة لم تعد تكتفي بالسؤال التقليدي: كم أُنفق؟ بل أصبحت تسأل: كيف أُنفق؟ وهل حقق الإنفاق قيمة مقابل المال؟ وهل انعكس على الخدمة العامة؟ وهل كانت القرارات المالية مبنية على معلومات دقيقة؟ ومن هنا، فإن الانتقال نحو أساس الاستحقاق ينسجم مع متطلبات الشفافية والمساءلة والرقابة الحديثة، لأنه يوفر صورة مالية أعمق من مجرد حركة المقبوضات والمدفوعات.
ومع ذلك، فإن هذه التجربة يجب أن تُقرأ كبداية لمسار طويل، لا كنهاية مشروع. فتطبيق النظام في 16 بلدية من أصل 104 هو إنجاز مهم، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مسؤولية أكبر: كيف يمكن تعميم التجربة؟ وكيف يمكن ضمان جودة التطبيق؟ وكيف يمكن تطوير الأدلة والإجراءات؟ وكيف يمكن ربط النظام المالي المحوسب بمتطلبات التقارير المالية الحديثة؟ وكيف يمكن الانتقال من التطبيق التشغيلي إلى تطبيق محاسبي أعمق وأكثر توافقًا مع أفضل الممارسات الدولية؟
إن استدامة هذا التحول تتطلب استمرار الدعم المؤسسي والتشريعي والفني، وتعميق التدريب، وتطوير الأدلة المحاسبية، وتعزيز التكامل بين وزارة الإدارة المحلية ووزارة المالية وديوان المحاسبة والبلديات. كما أن للجامعات والمؤسسات المهنية دورًا مهمًا في دعم هذا المسار من خلال البحث، والتدريب، وبناء القدرات، وتقديم الخبرة العلمية والتطبيقية.
ما يميز هذه التجربة أنها بدأت من الواقع. لم تبدأ من وثيقة نظرية أو شعار إصلاحي عام، بل من بلديات تحتاج فعلًا إلى نظام مالي أكثر قدرة على التعبير عن واقعها المالي. وهذا ما يجعلها تجربة قابلة للبناء عليها، لأنها تتعامل مع مؤسسة محلية حقيقية، وخدمة عامة حقيقية، وتحديات مالية وإدارية يومية.
إننا بحاجة إلى توثيق هذه التجربة ودراستها بعمق، ليس فقط للاحتفاء بها، بل لاستخلاص الدروس منها. فالتجارب الإصلاحية الناجحة لا تكتمل بمجرد إطلاقها، بل تكتمل عندما تتحول إلى معرفة مؤسسية يمكن تعميمها وتطويرها. ومن هنا، فإن تجربة وزارة الإدارة المحلية تستحق أن تكون محل اهتمام الباحثين، والمهنيين، وصناع القرار، والجهات الرقابية، لأنها تقدم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن أن يبدأ الإصلاح المالي من المستوى المحلي، ثم يتوسع تدريجيًا إلى مستويات أوسع في القطاع العام.
ختامًا، تستحق وزارة الإدارة المحلية الإشادة على هذه التجربة المشرقة، لأنها وضعت لبنة مهمة في طريق تحديث الإدارة المالية المحلية، وتعزيز الشفافية، وترسيخ ثقافة المساءلة. والأهم من ذلك، أنها أثبتت أن التحول نحو ممارسات مالية أكثر تطورًا في القطاع العام الأردني ليس فكرة بعيدة، بل مسار بدأ بالفعل، ويحتاج اليوم إلى الدعم، والتطوير، والتوثيق، والاستمرار.
إن إصلاح المال العام يبدأ من المعلومة المالية الصحيحة، وحين تتحسن المعلومة في البلدية، تتحسن معها قدرة الدولة على التخطيط، والرقابة، وخدمة المواطن.



