خريسات يكتب: نحو نزاهة مؤسسية تتجاوز الفزعة
رامي خريسات
أدبيات المدونات السلوكية والمواثيق الحالية لا ترقى لمستوى النزاهة المنشود في الطموح الأردني، ولا تستوعب أفضل الممارسات في حياد الموظفين، حيث الحياد ليس مساءلة فحسب، بل توفير بيئة تشريعية تحمي الموظف النزيه من أي ضغوطات وترشده أن خير طريق للوصول للنجاح هو بالحيادية والنزاهة ونظافة الكف.
وبجانب حياد الموظف المنشود لا بد من حياد المؤسسات الحكومية اعتمادًا على إجراءات وتشريعات أصولية، وستكون إعادة النظر في منظومة النزاهة خير وسيلة لإخراجنا من حلقة الفزعة الضيقة نحو رحاب الحياد الوظيفي الفردي والمؤسسي مما استدعى توجيهات دولة الرئيس.
أكثر الموضوعات تداولًا هو تعارض المصالح، وهو ليس جريمة في التشريعات العالمية، لكن الجريمة تكمن في إخفائه. فيُقبل تعارض المصالح إذا استوفى الضوابط التنظيمية والشفافية الكاملة، وأهمها إعلام المرؤوس رئيسَه للحصول على الموافقة المسبقة، وثانيها الامتناع عن المشاركة في التصويت على القرارات التي قد ينتفع بها، إلى جانب باقي الضوابط.
وبحثًا في تعارض المصالح أردنيًا لردم الهوة، نجد أن المدونات السلوكية تُغفل دور الأقارب، الذين يمكن التسجيل بأسمائهم تهربًا. كما أن هناك تشتتًا واضحًا بين نظام الخدمة المدنية، وتشريعات النزاهة، ومدونات السلوك، مما يستدعي توحيد المنظومة وشمولها لأسرة المسؤول، وتعييناتهم في الوظائف، والشركات التي يملكها أو يشارك فيها هو أو أقاربه بنسب مؤثرة، أو يمارسون فيها نفوذًا إداريًا أو ماليًا، بما ينقي العطاءات والتعاقدات من شوائب الفساد.
تشترط الممارسات الحديثة بجانب الإفصاح وأخذ الموافقة والامتناع عن النقاش والتصويت، ضرورة المراجعة والتدقيق المستقل للتعاملات، والتوثيق في السجل الخاص، وضمان أن القرار اتُّخذ للمصلحة العامة وليس لمصلحة الشخص.
تكرر في تشريعاتنا عبارات مثل “للوزير أو يجوز للوزير أو المسؤول” استثناء هذه النظام أو التعليمات... وفي ذلك توسع للسلطة التقديرية في اتخاذ القرار على حساب الحياد المؤسسي، فكلما اتسعت السلطة ضاقت النزاهة. والتصحيح يكون بجعل الاستثناءات محدودة، مبررة، علنية، خاضعة للرقابة، وربما ربطها بصدور تعليمات من مجلس الوزراء.
المأمول أن تتضمن المنظومة الجديدة تعزيز الإفصاح المالي وتوسيعه ليشمل الأقارب، وردم فجوة التطبيق في التقارير الدولية بما يقلص الفارق بين جودة التشريعات الأردنية والممارسة الفعلية. كما يُنتظر مراجعة سياسات “الباب الدوار” بفرض فترات تبريد إلزامية (2-3 سنوات) لكبار المسؤولين، إلى جانب إنشاء ربط رقمي متكامل بين هيئة النزاهة: والضمان الاجتماعي، ومراقبة الشركات ودائرة الأراضي، وترخيص المركبات، والبنك المركزي، ومركز إيداع الأوراق المالية، وضريبة الدخل، ومعلومات العقود الحكومية، بما يتيح إطلاق مؤشرات إنذار مبكر لرصد أي قفزات مالية غير مبررة.
سيكون على المسؤول الإبلاغ الرقمي عن أي تغيرات في ملكياته ولأقاربه، سواء طرأت أو لم تطرأ، بشكل ربع سنوي، وذلك ضمن إجراءات مكتوبة تمنع إساءة استخدام السلطة، وتتسم بالردع الاستباقي ذي المخالب العقابية، التي تُطبَّق -كما حصل- على أصحاب النفوذ قبل الموظفين الصغار. وللحديث بقية.







