ملكاوي يكتب: المعرفة الحقيقية وصورتها الخارجية
موفق ملكاوي
خلال تصفحي لمواقع التواصل الاجتماعي، صادفتني عبارة تؤشر إلى ما يسود المجتمعات العربية في الوقت الراهن، وتقول « انظر إلى الأشخاص الذين يقدرهم المجتمع، تعرف الاتجاه الحضاري السائد في ذلك المجتمع ومصيره»، وتنسب إلى عالم الاجتماع العراقي البارز الدكتور علي الوردي.
العبارة أعجبتني كثيرا، وألهمتني فكرة كتابة مقال أسحب فيه المعنى إلى المجتمع الحديث، وأناقش الأمور التي يقدرها، والأشخاص الذين يعتبرهم بمثابة قدوات. أردت التثبت من العبارة وسياقاتها ونسبتها إلى الوردي، وأن أقرأ قليلا في الكتاب أو الورقة البحثية التي وردت فيها، فبدأت بإجراء عملية بحث طويلة عبر الإنترنت عن أصلها، وهنا كانت المفاجأة غير السارة، والتي تكشف جانبا عن المجتمع الذي نعيش فيه، وربما عن مصيره أيضا.
وجدت أن عشرات الصفحات اقتبست العبارة بحرفيتها، ونسبتها إلى الوردي من دون أن يلجأ أي أحد إلى إيراد المصدر الورقي أو الإلكتروني الذي تؤول إليه العبارة. والمؤسف أن الجميع لجأوا إلى الاقتباس بحرفيته، مع التعليق نفسه، ومن دون أن يرف لهم جفن، ما يدلل على أن أحدهم كتب هذا الاقتباس ثم بدأ الجميع بعده يأخذون من بعضهم بعضا.
المقولة، بالتأكيد، تلخص فكرة جوهرية وهي أن «معيار النجاح» السائد في أي بيئة برموزه التي تلمع وتتصدر المشهد، يعكس بدقة منظومة القيم التي يؤمن بها هذا المجتمع. ولكن، ما الذي يمكن أن تقوله لنا حقيقة أن العشرات «سرقوا» المقولة عن بعضهم بعضا، في تناقض اجتماعي فاضح بين المعنى والسلوك، فما هو هذا المجتمع الذي نعيش فيه اليوم، وعلى ماذا يدلل هذا الأمر.
تكشف هذه الواقعة الصغيرة مرضا ثقافيا واسعا بات يميز مجتمعاتنا المعاصرة، يتمثل في الانفصال المتزايد بين المعرفة الحقيقية وصورتها الخارجية. المجتمع الذي يعيش هاجس الظهور بمظهر المثقف لا يعود معنيا بالثقافة نفسها، وإنما بالشكل الذي تبدو عليه الثقافة، ما يحول المعرفة إلى قطعة ديكور وزينة لغوية، ويدفع الاهتمام بالأفكار ذاتها إلى مرتبة ثانوية.
نعيش في زمن يمكن للمرء أن يبدو مثقفا موسوعيا بضغطة زر واحدة، فينشر اقتباسا فلسفيا، ويعيد مشاركة فكرة معقدة في علم الاجتماع، ويتحدث عن الوجودية والتحليل النفسي والتاريخ السياسي، بدون أن يكون قد قرأ كتابا واحدا في أي من هذه المجالات.
المجتمع الذي بات يقيم الناس بناء على الصورة التي يقدمونها عن أنفسهم، جعل الثقافة الاستعراضية تزدهر، لتصبح ظاهرة اجتماعية هدفها صناعة صورة ذهنية جذابة أمام الآخرين على حساب طبيعة المعرفة نفسها، ما يفقد الثقافة وظيفتها الأساسية كعملية تبدأ من الشك والتساؤل والمراجعة وإعادة النظر، واختصارها بثقافة استعراضية تقدم المعرفة كمجموعة من الشعارات الجاهزة والعبارات المختصرة.
هذا الأمر يمنح أصحابه شعورا زائفا بالتفوق، قد يصل إلى مرحلة يظنون فيها أنهم يعرفون فعلا، فيتشكل لديهم وهم المعرفة، ليصبحوا أقل ميلا إلى التعلم الحقيقي لاعتقادهم أنهم امتلكوا المعرفة مسبقا. قد يفسر هذا الوهم حالة الضجيج الهائلة التي نعيشها اليوم، فالحديث عن الثقافة والفكر والفلسفة يستعر في الفضاء الإلكتروني، لكن مستوى الفهم العميق لا يبدو أنه يتقدم بالمقدار نفسه.
وسائل التواصل الاجتماعي أنتجت بيئة مثالية لظاهرة «اقتصاد الانتباه»، حيث تصبح القيمة الحقيقية لأي محتوى مرتبطة بقدرته على جذب التفاعل، فيصبح من الطبيعي أن تحظى عبارة قصيرة مجهولة المصدر بانتشار يفوق انتشار كتاب كامل استغرق صاحبه سنوات في تأليفه، فنحن أمام ثقافة تكافئ الاختصار المخل والثقة الزائدة، وتهمل التردد العلمي الذي يلازم الباحثين الجادين.
المشكلة أن المجتمع الذي يعتاد الاستعراض الثقافي يبدأ تدريجيا في استبدال الجوهر بالمظهر في مختلف المجالات، وحين يصبح الادعاء بديلا عن المعرفة، فقد يصبح بديلا عن الإنجاز كذلك، كما يرتفع بمنزلة الانطباع إلى أن يكون بديلا عن الحقيقة في السياسة والإدارة والتعليم والإعلام وسائر مجالات الحياة.
المسألة تتجاوز منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي، أو قضية «اقتباس صغير»، فهي منظومة كاملة تفرض قيمها على صعيد التميز والاعتبار الاجتماعي، تدفع أصحاب المعرفة الحقيقية إلى هامش المشهد، وتمنح الصدارة لأشخاص يتقنون إدارة الانطباعات و»ارتداء» صورة مزورة للثقافة والمعرفة، وهم يعيشون فقرا ثقافيا مدقعا.







