خطاطبة يكتب: الضمير الجمعي.. عبقرية التصور الإسلامي للمجتمع
محمود خطاطبة
من العسير على أي مُجتمع الاستمرار إذا اكتفى أفراده بالأخلاق الخاصة، فالفرد قد يكون مُستقيمًا في حياته الشخصية أمينًا، لكنه يعيش في مُجتمع يتآكل من الداخل، إذا غابت المسؤولية المُشتركة أو ما يُمكن تسميته بـ»الضمير الجمعي»، أي ذلك الوعي المُشترك الذي يجعل الإنسان يشعر أن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود ذاته، بل تمتد إلى المُجتمع الذي ينتمي إليه.
ومن هُنا، تتجلى عظمة الشرائع السماوية باعتبارها رسائل لإعمار الحياة في التأسيس لبناء ضمير جمعي، يجعل الكُل شريكًا في حماية منظومته الأخلاقية والقيمية.
لقد قدمت الشرائع السماوية جوابًا عمليًا، فالعبادات الكُبرى جاءت لتبني الإنسان، وتبني معه المُجتمع، وليس لاختزالها في العلاقة الخاصة بين العبد وربه، إذ حمل كثير منها بُعدًا اجتماعيًا واضحًا، فالصلاة في جماعة، والجمع، والحج، والزكاة، وصيام شهر رمضان الفضيل، بما يُصاحبه من شعور جمعي بالانضباط والتكافل.. كُلها ليست مجرد طقوس تعبدية، وإنما وسائل تربوية تصنع هوية مُشتركة، وتغرس في الإنسان شعورًا بأنه جُزء من كيان أكبر من ذاته، فالعبادة هُنا لا تبني العقل المؤمن فحسب، بل تبني العقل الجمعي أيضًا.
ولعل من أعمق المبادئ التي كرّست هذا المعنى في الإسلام: مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، فهذا المبدأ العظيم يؤسس لفكرة فلسفية بالغة العُمق، وهي أن الفضيلة ليست شأنًا فرديًا خالصًا، وأن المُجتمع بأسره مسؤول عن حماية البيئة الأخلاقية التي يعيش فيها الجميع، فالخير لا يبقى خيرًا إذا انحصر في ضمير صاحبه، بل يكتمل حين يتحول إلى ثقافة عامة تحفظ المُجتمع من الانهيار.
وقد جسّد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذه الفلسفة بأبلغ صورة عندما قال: «مثلُ القائمِ على حدودِ اللهِ والواقعِ فيها، كمثلِ قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».
إن هذا الحديث لا يُقدم توجيهًا وعظيًا، بل يرسم تصورًا مُتكاملًا لطبيعة المُجتمع، فالبشر ليسوا جُزرًا مُنفصلة، وإنما ركاب سفينة واحدة، وما يظنه الفرد شأنًا خاصًا قد يتحول إلى خطر عام إذا تُرك بلا مسؤولية أو مُساءلة.
ولهذا كانت الحضارات الأكثر استقرارًا هي تلك التي نجحت في تحويل قيمها الأخلاقية إلى وعي جمعي، يتبناه الناس بإرادتهم، لا خوفًا من العقوبة فحسب، فالقانون وحده لا يحفظ المُجتمعات، إذ إنه يتدخل غالبًا بعد وقوع الضرر، بينما يعمل الضمير الجمعي على منع الضرر قبل وقوعه، والقانون يفرض الطاعة من الخارج، أما الضمير فيولدها من الداخل.
وقد تنبّه علماء الاجتماع إلى هذه الحقيقة؛ إذ رأى عديدهم أن الشعائر الدينية تؤدي وظيفة تتجاوز التعبد، فهي تُنتج التضامن الاجتماعي، وتُجدد شعور الأفراد بانتمائهم إلى جماعة واحدة.. بمنعى آخر، فإن الاجتماع على العبادة هو أيضًا اجتماع على منظومة قيم وهوية ومصير مُشترك.
ومن هذا المنطلق، يُصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر تعبيرًا عن التضامن الاجتماعي قبل أن يكون مُجرد واجب فردي، حيث يهدف إلى حماية السفينة، لا إلى إدانة أحد ركابها.
إن الضمير الفردي يجعل الإنسان صالحًا، أما الضمير الجمعي فيجعل المُجتمع صالحًا، وربما كانت إحدى أعظم إسهامات الأديان عبر التاريخ أنها لم تكتف بتربية الإنسان على مُحاسبة نفسه، بل ربته أيضًا على أن يرى في صلاح المُجتمع جُزءًا من عبادته، وفي حماية القيم المُشتركة مسؤولية أخلاقية لا تقل شأنًا عن صلاحه الشخصي.
وبهذا المعنى، لم تكن العبادة مُجرد طريق إلى السماء، بل كانت أيضًا هندسة دقيقة لبناء الأرض؛ تبني الإنسان، ثم تبني المُجتمع الذي يعيش فيه، حتى لا تتحول سفينة الجميع إلى حُطام بسبب تقاعس بعض ركابها أو لامُبالاة الآخرين.
وهذا هو جوهر الضمير الجمعي، أن يشعر الإنسان بأن مصيره مُتشابك مع مصير الآخرين، وأن الحُرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن المُجتمع لا يُصان بالقوانين وحدها، بل بإرادة أخلاقية مُشتركة تجعل كُل فرد يرى نفسه حارسًا للسفينة لا مُجرد راكب فيها.







