اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: الأمن القومي الخليجي.. ثلاثة سيناريوهات محتملة

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


لم يعد السؤال المطروح في العواصم الخليجية اليوم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى شريكاً أمنياً رئيسياً، بل إلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها في لحظة الأزمة. فقد كشفت الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من محدودية القدرة على تحقيق الأهداف الإستراتيجية المعلنة، عن تحول عميق في البيئة الأمنية الإقليمية. صحيح أن واشنطن ما زالت تمتلك أكبر انتشار عسكري في الخليج، إلا أن امتلاك القواعد العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك الإرادة السياسية لاستخدامها أو القدرة على فرض نتائج إستراتيجية حاسمة.
 

وتأتي اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة في هذا السياق، باعتبارها مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تبحث فيها دول الخليج عن هندسة أمنية أكثر تنوعاً، تقوم على توزيع المخاطر وتعدد الشركاء بدلاً من الاعتماد شبه المطلق على المظلة الأميركية. كما تمنح القمة تركيا فرصة لتعزيز دورها بوصفها جسراً بين الحلف والشرق الأوسط، مستفيدة من مكانتها داخل الناتو وتطور صناعاتها الدفاعية وعلاقاتها المتوازنة مع معظم الأطراف الإقليمية.
وفي ضوء هذه التحولات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأمن القومي الخليجي.
السيناريو الأول: الأمن متعدد الشركاء (السيناريو الأكثر ترجيحاً)
يقوم هذا السيناريو على انتقال دول الخليج من نموذج "الحليف الواحد" إلى نموذج "الشراكات المتعددة". وبدلاً من استبدال الولايات المتحدة بقوة أخرى، ستعمل دول الخليج على توزيع علاقاتها الدفاعية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا، مع توسيع التعاون مع القوى الآسيوية في مجالات التكنولوجيا والأمن السيبراني والتصنيع العسكري.
وفي هذا الإطار، قد تتحول مخرجات قمة الناتو في أنقرة إلى منصة لتعزيز التعاون مع الحلف في حماية الملاحة البحرية، وأمن الطاقة، والدفاعات الجوية، والأمن الإلكتروني، وإحياء مبادرة إسطنبول للتعاون بصورة أكثر فاعلية، دون الوصول إلى تحالف دفاعي جديد. وفرصة التحقق: نحو 55 %.
أما شروط التحقق فهي: استمرار تراجع الثقة الخليجية بالالتزام العسكري الأميركي. واستعداد الدول الأوروبية وتركيا لتحمل مسؤوليات أمنية أكبر في المنطقة. واستمرار التهديدات البحرية والصاروخية دون اندلاع حرب إقليمية شاملة. ونجاح دول الخليج في الحفاظ على سياسة التوازن بين القوى الدولية.
ويتميز هذا السيناريو بأنه يحقق أكبر قدر من المرونة الإستراتيجية، ويمنح دول الخليج هامشاً أوسع للمناورة دون الدخول في محاور متصارعة.
السيناريو الثاني: بناء منظومة ردع خليجية مستقلة
يفترض هذا السيناريو أن تستخلص دول الخليج الدرس الأهم من الحرب الأخيرة، وهو أن الأمن لا يمكن استيراده بالكامل من الخارج. وعليه، تتجه إلى تسريع مشاريع التصنيع العسكري، وتوحيد أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وإنشاء قيادة عمليات مشتركة أكثر فاعلية، وزيادة الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي العسكري.
وفي هذا السيناريو، تصبح الشراكات الخارجية أدوات دعم وتكنولوجيا، بينما يتحول الردع الذاتي إلى الركيزة الأساسية للأمن الخليجي. وفرصة التحقق: نحو 30 %.
شروط التحقق: توافر إرادة سياسية خليجية لتجاوز الخلافات البينية. وزيادة الإنفاق على الصناعات الدفاعية المحلية. وتطوير منظومة قيادة وسيطرة خليجية موحدة. ونقل التكنولوجيا العسكرية من الشركاء الدوليين بدلاً من الاكتفاء بشراء الأسلحة.
ويمثل هذا السيناريو نقلة نوعية في فلسفة الأمن الخليجي، لكنه يتطلب سنوات من البناء المؤسسي والاستثمارات الضخمة، فضلاً عن درجة عالية من التنسيق السياسي.
السيناريو الثالث: أمن قائم على التفاهمات الإقليمية وخفض التصعيد
يفترض هذا السيناريو أن تدفع كلفة المواجهات العسكرية جميع الأطراف الإقليمية إلى ترسيخ سياسة إدارة الأزمات بدلاً من التصعيد، بحيث يصبح الحوار مع إيران جزءاً من منظومة الأمن الخليجي، بالتوازي مع استمرار العلاقات الدفاعية مع الغرب.
وبذلك ينتقل مفهوم الأمن من الردع العسكري فقط إلى إدارة التوازنات الإقليمية عبر الدبلوماسية، وضمان أمن الملاحة والطاقة، ومنع الانزلاق إلى مواجهات واسعة. وفرصة التحقق: نحو 15 %.
شروط التحقق: استمرار الحوار الخليجي- الإيراني. والتزام إيران بخفض التوتر الإقليمي. ونجاح الوساطات الإقليمية، خاصة التركية والعمانية. وجود ضمانات دولية تحافظ على أمن الملاحة وحرية التجارة.
ورغم أن هذا السيناريو هو الأقل احتمالاً، فإنه يبقى الأقل تكلفة اقتصادياً والأكثر انسجاماً مع أولويات التنمية الخليجية، لكنه يظل رهينة مستوى الثقة المتبادلة بين أطراف الإقليم.
إن اجتماعات الناتو في أنقرة لا تمثل مجرد لقاء دوري للحلف، بل تعكس بداية إعادة رسم الخريطة الأمنية للشرق الأوسط. فالحرب الأخيرة أثبتت أن التفوق العسكري وحده لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وأن امتلاك القواعد العسكرية لا يعني القدرة على فرض الاستقرار أو حماية الحلفاء بصورة مطلقة. كما كشفت أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر ميلاً إلى إدارة الصراعات وتقليل الانخراط المباشر، بدلاً من خوض حروب طويلة ومكلفة.
ولهذا، تبدو دول الخليج أمام مرحلة انتقالية تعيد فيها تعريف مفهوم الأمن القومي، من الاعتماد على الضامن الخارجي إلى بناء شبكة متداخلة من التحالفات والقدرات الذاتية والتفاهمات الإقليمية. وقد تكون أنقرة اليوم بداية هذا التحول، لا لأن الناتو سيحل محل الولايات المتحدة، بل لأن النظام الأمني الخليجي نفسه يدخل مرحلة جديدة تقوم على تنويع مصادر القوة، وتقاسم الأعباء، ورفع مستوى الاعتماد على الذات.
فالمرحلة المقبلة لن تشهد نهاية الشراكة الخليجية مع واشنطن، وإنما نهاية الاحتكار الأميركي للأمن الخليجي، وبداية نظام أمني أكثر تعددية، وأكثر ارتباطاً بحسابات المصالح الإقليمية والدولية المتغيرة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية