عياصره يكتب: قمة حلف النيتو في انقرة وعلاقتها بالتصعيد الامريكي ضد ايران وعودة الحرب
د. رامي عياصره
بعد وصول الطرفين الامريكي والايراني الى اعلان مذكرة التفاهم التي على أساسها تم وقف الحرب، وشكلت الأرضية لانطلاق العملية التفاوضية التي من المفترض أن تفضي الى اتفاق دائم خلال 60 يوما، بالرغم من خروقات عديدة خلال فترة التفاوض، إلا أن الطرفين أبدوا تمسكهما بالمضي قدما نحو استمرار التفاوض، ومحاولة ايجاد أفق للعملية السياسية، والوصول الى اتفاق دائم.
فقدان الثقة بين الطرفين، والشعور بالنصر من كلاهما، والرغبة في تسجيل تقدم استراتيجي، وتثبيته على ارض الواقع، أدى الى استمرار حالة التوتر، وبعض الضربات العسكرية المتبادلة، من أبرز تلك النقاط الاستراتيجية، سعي ايران للسيطرة على مضيق هرمز، وادارته والتحكم به. في حين أن امريكا تريد التأكد من القضاء على المشروع النووي الايراني، وتجريدها من إمكانية الحصول على السلاح النووي مستقبلا، حتى لا تختل موازين القوى في المنطقة بشكل كامل لصالحها.
لكن تطورات المشهد في اليومين الماضيين يشير الى تدهور حالة الهدوء النسبي الذي وفرته مذكرة التفاهم، مع تصاعد الضربات العسكرية الامريكية لمدينة بندر عباس، وغيرها من الموانئ الايرانية، وتصاعد لهجة الوعيد الايراني بالرد القوي والحاسم، يشير بوضوح أن المسألة تتعدى تبادل التهديدات اللفظية التي تعودنا عليها بين الطرفين، الى الوقوف على أعتاب فصل جديد من هذه الحرب الممتدة، والتي ستؤدي الى انهيار الهدنة، و المفاوضات معا.
اللافت أن هذا التصعيد المستجد جاء مع انعقاد قمة حلف النيتو في انقرة، بحضور ترامب نفسه، حيث طمأن الرئيس الأمريكي أعضاء النيتو خلال القمة اليوم الاربعاء برغبة بلاده البقاء في الحلف، ومواصلة تسليحه، متجنبا إثارة الملفّات الخلافية التي تحدث عنها في الآونة الأخيرة.
كما حملت الأخبار تأكيد ترامب لقادة حلف النيتو خلال اجتماع مغلق على هامش القمة في أنقرة، رغبته مواصلة بيع الأسلحة للحلفاء، بغض النظر عن كيفية استخدامها.
في حين أن ترامب وقبيل أقل من أسبوع على انعقاد القمة، كانت تصريحاته تذهب باتجاه أعلى درجات التصعيد ضد بعض أعضاء الحلف، حيث عبّر ترامب عن استمرار واشنطن في علاقتها الأحادية مع الحلف بأنه "أمر سخيف"، مؤكداً أن العلاقة مع النيتو ليست متبادلة، مضيفاً: "لم نجدهم عندما احتجنا إليهم"، في اشارة واضحة الى امتناع الحلف عن الدخول الى جانب امريكا في حربها على ايران، بل و وقوف بعض دول الحلف علانية ضدها.
والسؤال هنا، لماذا هذا التحول الواضح في الموقف والخطاب؟ ولماذا جاءت التهديدات لايران بتوجيه ضربة عسكرية قوية في اليوم الاخير من قمة الحلف ؟؟
باعتقادي أن الامرين مرتبطين بعضهما ببعض، لابد أن ترامب أخذ التأييد من الحلف بدخول الحرب على ايران في حال عودتها بشكل كامل، وذلك على أرضية تفاهمات مشتركة، تحت عنوانين رئيسيين: الاول: الاجماع الغربي على منع ايران من امكانية امتلاك السلاح النووي ، والثاني: منع ايران من الاستحواذ والسيطرة على مضيق هرمز، والتأكيد على عودة المضيق على ما كان عليه الوضع قبل بدء الحرب، الأمر الذي ترفضه ايران بشكل قاطع.
مسألة تأكيد ايران على أحقيتها بالسيطرة على مضيق هرمز والتحكم به تحت مسمى " ادارته " تثير مخاوف كل دول العالم وليس فقط امريكا، نظراً لأهميته الاقتصادية لجميع دول العالم، ومساسه المباشر بالاقتصاد العالمي. وبالذات لدول الجوار العربي التي تستعمل المضيق لتصدير منتجاتها من النفط والغاز، والتي تشكل شريان الحياة للاقتصاد الخليجي، كما يؤثر على سلاسل التوريد العالمي، ويعيق انسيابيتها.
هذه النقطة تحديدا هي ما تستطيع امريكا حشد التأييد الدولي ضد ايران كما لم تفعل من قبل، وجعل فصول الحرب القادمة معها ذات طابع مختلف عن حرب الأربعين يوما السابقة، لأنها باختصار تمس مصالح الدول الاقتصادية.
سبق وهدد ترامب أنه وفي حال فشلت المفاوضات فان امريكا ستقوم بالسيطرة العسكرية على مضيق هرمز، وفي حال لم تسلم ايران بذلك فانه سيتم تدميرها. ربما هذا هو السيناريو الأقرب الى الواقع، وربما تتطور الاحداث الى حرب اشمل تستخدم به القوات البرية على نطاق محدود، مع ضرب المواقع الحيوية والاستراتيجية الايرانية، وادخال البلاد في حالة فوضى.
ايران لن تقف مكتوفة الأيدي،حيث يتوقع رد ايراني قوي، بالذات على الدول الخليجية، والقواعد الامريكية المتمركزة بها، وكذلك توجيه ضربات على الكيان الصهيو ني، الذي يعتبر اكبر المستفيدين في حالة عودة الحرب على ايران، لأن ذلك يعني اعادة اطلاق يده في لبنان ضد حزب الله، ومحاولة اسقاط النظام الايراني.
ربما تحمل الساعات القادمة فصلا جديدا من هذه الحرب ذات القيمة الاستراتيجية الكبرى في تشكل موازين القوى في المنطقة، وتعيد رسم خطوط النفوذ، وقواعد الاشتباك السياسي بين القوى الاقليمية المتنافسة، وتشكل - ولو نسبيا - مستقبل المنطقة الى أمد غير قليل.







