العايدي يكتب: الفرق الإسلامية (3): السياسة وأثرها في الفرق - الخوارج أنموذجا
د.محمد صبحي العايدي
من الإشكالات المنهجية التي صاحبت دراسة الفرق الإسلامية، هو النظر إليها باعتبارها نتاجاً لخلافات عقدية خالصة، بينما تكشف القراءات التاريخية أن السياسة كانت في كثير من الأحيان الشرارة التي أطلقت الأسئلة، ثم جاءت الأجوبة العقدية والفقهية لتفسيرها، فالفرق تشكلت في سياق سياسي واجتماعي وثقافي يترك بصمته الواضحة على أفكارها ومساراتها.
ويعد الخوارج أوضح مثال على هذا التداخل بين السياسة والعقيدة، فلم تبدأ القصة بخلاف في أصول الإيمان أو صفات الله، وإنما نشأت في أعقاب قضية التحكيم بعد معركة صفين، حين رفض فريق من جيش الإمام علي رضي الله عنه قبول التحكيم، ورفع شعار قوله تعالى:»إن الحكم إلا لله»، فخرجوا عن الجيش، ومن هنا جاء اسمهم، وكان الخلاف في بدايته سياسياً يتعلق بطريقة إدارة الأزمة، لكنه ما لبث أن تحول إلى بناء عقدي متكامل.
ولكن هذا الموقف السياسي لم يبق في حدوده الأولى، بل أخذ يتحول إلى منظومة فكرية متكاملة، فأعيد تعريف الإيمان والكفر، وجعل العمل جزءاً أصيلاً منه، ليصير ارتكاب الكبيرة سبباً للخروج من الإسلام، وبذلك توسعت أسباب التكفير، ومن ثم استبيح قتل المخالفين، هكذا تدرجت الأحكام من موقف سياسي رافض للتحكيم مع المخالف إلى منظومة عقدية، وأصبح الاختلاف في الرأي يقرأ باعتباره اختلافاً في الاعتقاد.
ومن هنا تظهر واحدة من أخطر الظواهر في تاريخ الفرق، وهو الانتقال من دائرة السياسة إلى دائرة الاعتقاد، فعندما تمنح المواقف السياسية على أنها جزء من الإيمان، يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف ديني، ويتحول الخصم السياسي إلى خصم عقدي، ثم يصبح تكفيره وإقصاؤه مبرراً دينياً داخل ذلك البناء الفكري.
ولا يقتصر هذا الأثر على الخوارج، فقد تركت السياسة أثرها في نشأة عدد من الفرق سواء في قضايا الإمامة عند الشيعة، أو شرعية الحاكم، أو حدود الطاعة والمعارضة، ولذلك لا يمكن فهم تاريخ الفرق دون قراءة الواقع السياسي الذي تشكلت فيه، لأن كثير من الأفكار جاءت استجابة مباشرة لأزمات عصرها، ولا يعني ذلك أن السياسة أنشأت جميع الفرق، أو أن العقائد كانت مجرد غطاء للصراع على السلطة، وإنما يعني أن الأحداث السياسية كثيراً ما ساعدت على تشكيل الأفكار، وحولت بعض الاجتهادات إلى أصول عقدية لهذه الفرق، وبعضها ضعف واختفى بزوال الظروف التي أوجدتها، بينما استمرت المدارس التي قامت على مشاريع علمية ومعرفية عميقة.
ولعل هذا الدرس التاريخي ما يزال حاضراً في واقعنا المعاصر، فقد وقعت بعض التيارات الدينية في الخطأ ذاته، حيث حولت الخلاف السياسي إلى خلاف عقدي، وربطت شرعية الأنظمة، أو المجتمعات بمفاهيم عقدية، كما فعل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي حيث توسعا في مفهوم: الحاكمية والجاهلية، في إطار مشروع سياسي إسلامي، وكان له تأثير واسع في الحركات الإسلامية المعاصرة، حيث وظفت بعض الجماعات الجهادية والسلفية هذه المفاهيم لتكفير الأنظمة أو المجتمعات، كمحمد فرج في كتابه «الفريضة الغائبة»، وأبو محمد المقدسي الذي توسع مباحث الولاء والبراء، وأبو مصعب السوري الذي قدم تنظيراً لاستراتيجات العمل المسلح.
إن مقاصد الشريعة لا تقاس بالشعارات، وإنما بما تحققه من حفظ لمصالح الناس، واستقرار مجتمعاتهم، وعدل أنظمتهم، فكل مشروع سياسي مهما كانت شعاراته، إذا انتهى إلى الفوضى، وسفك الدماء، وتمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، فإنه يستوجب مراجعة نقدية في ضوء مقاصد الشريعة، لا الاكتفاء بحسن النيات أو صدق الشعارات.
إن دراسة أثر السياسة في نشاة الفرق لا تهدف إلى تبرير أخطائها، ولا إلى اختزالها في العامل السياسي، وإنما إلى فهم آلية تشكلها، فالفهم يسبق الحكم، ومعرفة الجذور تسبق تقويم النتائج، وبهذا نتحرر من القراءة السطحية التي ترى الأفكار منفصلة عن ظروفها، وندرك أن كثيراً من الانقسامات لم تبدأ من النص، بل من طريقة توظيفه في خضم الصراع السياسي.
ولهذا فإن دراسة الخوارج ليس استدعاء لفرقة من الماضي، بقدر ماهي لأخذ العبرة، ومحاولة لفهم تشكل الأفكار عندما تتداخل السياسة بالدين، وكيف يمكن أن تتحول الشعارات إلى عقائد، والاجتهادات إلى هويات مغلقة، وهذا الوعي هو الذي يمكننا من حماية حاضرنا من تكرار أخطاء الماضي، فلا نقدس السياسة باسم الدين، ولا نحمل الدين نتائج الصراعات السياسة.







