أڤين الكردي تكتب: تطبيق "سند" للجميع عدا المطلقات في الأردن!
د. افين الكردي
لم يكن ينقص الأم المطلقة في الأردن نافذة جديدة تُغلق في وجهها فيكفيها ما تواجهه يومياً من محاكم، ونفقات متأخرة، ووصاية منقوصة، ونظرة اجتماعية تعاقبها لأنها خرجت من زواج لم يعد يحقق المودة والسكينة والرحمة. لكن وللأسف يبدو أن التحول الرقمي قرر أن يلتحق بالطابور نفسه،"طابور إقصاء الأم".. لا خدمتها.
يبدو أن التحوّل الرقمي في الأردن لم ينجُ من أمراض المجتمع القديمة، فقط ألبسها واجهة أنيقة، وكلمة مرور، وتطبيقًا حكوميًا اسمه "سند"فاليوم، ومع ظهور علامات الطلبة عبر تطبيق سند،
فيصرّ هذا التطبيق على حرمان الأمهات من فرحة متابعة علامات أبنائهن بعد جهودهن طوال السنة. وهذه ليست تفصيلة تقنية عابرة، ولا خللًا صغيراً في واجهة استخدام، بل رسالة مؤذية تقول للأم المنفصلة: "أنتِ حاضرة كأداة رعاية، غائبة في النظام. أنتِ مسؤولة في الواقع، غير معترف بكِ في تطبيق حكومي مهم!
تكتشف أمهات مطلقات أن علامات أبنائهن تظهر للأب وحده، ولا تظهر لهن، وكأن الأم بعد الطلاق تُمحى من السجل التربوي لأطفالها، وكأن تعبها طوال العام لا يُحسب، وكأن السهر على الواجبات، ومتابعة الامتحانات، ودفع الرسوم، وحضور الاجتماعات، واحتواء قلق الطفل، ليست كافية لتُمنح حقًا بسيطًا "أن ترى علامة ابنها أو ابنتها"!
. أي منطق إداري هذا؟ وأي تحول رقمي هذا الذي يعرف الأب من رقم وطني، ولا يعرف الأم من سنوات الرعاية؟ وأي دولة رقمية نريدها إذا كانت الخوارزمية تعيد إنتاج التمييز نفسه، لكن بواجهة أنيقة وكلمة مرور؟
من صمّم هذه الآلية؟ ومن قرر أن العلاقة التعليمية للطفل تمر عبر الأب وحده؟ ومن افترض أن الانفصال يلغي أمومة الأم، بينما لا يمس صلاحيات الأب الرقمية؟ المشكلة هنا ليست في تطبيق "سند" وحده ، بل في عقل إداري لا يزال يتعامل مع السيدة كملحق قانوني بحت، لا كطرف أصيل في حياة الطفل. عقل يختصر الأسرة في اسم الأب، ويتجاهل أن آلاف الأمهات هن المدرسة الأولى، والممرضة الأولى، والمرشدة الأولى، والداعمة النفسية الأولى، والمموّل الحقيقي الكلي أو الجزئي لتعليم الأبناء، هذا من جهة ومن جهة أخرى نحن أمام خلل يمس مصلحة الطفل قبل أن يمس كرامة الأم فالعلامة المدرسية ليست رقمًا على شاشة. بل إنذار مبكر، وحق متابعة، ومؤشر على تعب الطفل أو تعثره أو تقدمه وحجبها عن الأم الحاضنة أو القائمة فعليًا على الرعاية هو إضعاف لمصلحة الطفل نفسه!
التطبيقات الحكومية لا يجوز أن تعيد إنتاج الظلم الاجتماعي بصيغة رقمية أنيقة، والرقمنة التي لا ترى الأمهات ليست تحديثاً! إنها إقصاء أسرع فقط! ومن واجب الجهات القائمة على تطبيق سند ووزارة التربية والتعليم أن تشرح للناس ماذا يُحجب هذا الحق؟ وبأي سند قانوني؟ ولمصلحة من؟ لأن الأم التي سهرت، ودفعت، ودرّست، وواست، وخافت، وفرحت... لا يجوز أن تقف في نهاية العام خلف شاشة تقول لها بصمت: "أنتِ غير موجودة"
فإذا كانت الأسباب أن الأب يرى، والأم لا ترى، فنحن أمام خلل تمييزي صريح، سواء جاء من تصميم الخدمة، أو من ربطها ببيانات الأحوال المدنية، أو من فهم قاصر لمعنى "ولي الأمر"
إن كان السبب "ربطًا آليًا بدفتر العائلة"، فهذه فضيحة تصميم لا عذر! وإن كان السبب "تعريف ولي الأمر بالأب فقط"، فهذه وصاية رقمية متحيزة وفهم قاصر لمعنى "ولي الأمر" وإن كان السبب "خللًا تقنيًا"، فالخلل الذي يمس كرامة الأمهات وحقوق الأطفال لا يُترك حتى يصبح عرفاً جديداً! فالطفل لا يعيش في قاعدة بيانات فقط! الطفل يعيش مع من يوقظه للمدرسة، ومن يراجع معه الدروس، ومن يشتري له الدفاتر، ومن يهدئ خوفه قبل الامتحان. وفي آلاف الحالات، هذه الأم هي المطلقة التي تحاول أن تقوم بدورين، بينما النظام لا يعترف لها حتى بحق الاطلاع.
على تطبيق سند أن يُصلح هذا الخلل فوراً،وعلى الأحوال المدنية أن تراجع أثر بياناتها على الخدمات الرقمية حتى لا تتحول سجلاتها إلى أدوات إقصاء، أما وزارة الاقتصاد الرقمي فعليها أن تثبت أن التحول الرقمي في الأردن ليس مجرد تطبيقات وشعارات، بل عدالة وصول، وإنصاف، وحساسية اجتماعية وحقوقية. لأن الرقمنة التي تُقصي الأم ليست تقدماً بل تمييز إلكتروني.. والتمييز مهما كان أنيق الواجهة، يبقى تميزاً!







