ملكاوي يكتب: القطيعة مع التطور
موفق ملكاوي
«الماضي هو الكمال»، عبارة مكثفة تختصر رؤية كاملة للعالم، تقوم على الاعتقاد بأن الزمن الذهبي وقع بالفعل، وأن أفضل ما يمكن للإنسان فعله هو محاولة استعادته، بتحويل التاريخ من مصدر للتجربة إلى أفق نهائي للحركة الإنسانية.
الأمر يتعلق بطريقة النظر للزمن نفسه، فبينما تنظر الحداثة إلى التاريخ باعتباره مسارا مفتوحا للتغير والتراكم والتجاوز، تعتبره الأصولية رحلة ابتعاد مستمرة عن الأصل الكامل، فيصبح الماضي معيارا، والمستقبل مشروع استعادة، وتتركز أنماط التفكير على عملية استعادة دائمة لنموذج مكتمل سابقا.
هذه الفكرة تمثل جوهر معظم الحركات الأصولية الدينية عبر التاريخ، سواء في العالم الإسلامي أو خارجه، فهي تنطلق من افتراض أن لحظة تأسيسية معينة بلغت درجة من الكمال لا يمكن تجاوزها، وأن مهمة الأجيال اللاحقة تكمن في المحافظة على ذلك النموذج واستعادته قدر الإمكان.
في السياق الإسلامي، تتجلى الرؤية بوضوح في اعتبار عصر النبوة والخلافة الراشدة وعصور السلف الصالح النموذج الأعلى للحياة الدينية والاجتماعية والسياسية، وتحويلها إلى مرجعية شاملة للحاضر بكل تعقيداته المختلفة.
أنصار التوجه يرون أن جوهر الأزمة الحديثة يكمن في الابتعاد عن الأصول. مفكرون إسلاميون عبروا عن ذلك برؤية تجعل الإسلام نظاما كاملا للحياة، مكتفيا بذاته، وقادرا على تقديم حلول لكل زمان ومكان، ورأوا أن البشرية تعيش «جاهلية جديدة»، وأن الخلاص يكمن في العودة إلى النموذج الإسلامي الأول بوصفه الوحيد القادر على تحرير الإنسان.
هذه الرؤية تستند إلى حجج جيدة، فالمجتمعات لا تستطيع العيش بلا جذور، والانفصال الكامل عن التراث يقود إلى الاغتراب الثقافي وفقدان الهوية، إضافة إلى حقيقة أن كثيرا من مشروعات التحديث في العالم العربي انتهت إلى الاستبداد أو التبعية أو الفشل التنموي، ما عزز الاعتقاد بأن الحل يكمن في العودة إلى المرجعيات الأصلية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من مصدر إلهام إلى سلطة مطلقة، كما نبه إليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وتأكيده أن الأزمة تتمثل بتحويل التراث لسلطة معرفية مغلقة، داعيا إلى «قراءة التراث قراءة تاريخية»، بوضع النصوص والأفكار في سياقاتها الزمنية لفهم شروط إنتاجها وحدودها.
لكن التفكير الأصولي، كما يرى المفكر السوري صادق جلال العظم، يحاول استخدام أدوات العصر ومنجزاته التقنية في الوقت الذي يرفض فيه الأسس الفكرية والتاريخية التي أنتجت هذه المنجزات، متناسيا أن المجتمعات البشرية تتطور عبر بناء مؤسسات جديدة تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وأن محاولة تجميد التاريخ عند لحظة معينة تتناقض مع طبيعة التطور الاجتماعي نفسه.
فكرة «التاريخانية» تعني أن النصوص والأفكار والأحكام لا تنفصل عن الظروف التاريخية التي نشأت فيها. وقد دافع عن هذا التوجه مفكرون مثل محمد أركون ونصر حامد أبو زيد، اللذين أكدا ضرورة التمييز بين المطلق التاريخي والنسبي التاريخي، وبين القيم الكبرى المستمرة والأشكال التطبيقية التي ارتبطت بسياقات محددة.
لكن التاريخانية بدورها ليست بمنأى عن النقد، فخصومها يرون أنها قد تنتهي إلى تذويب الثوابت وتحويل كل شيء إلى نتاج ظرفي مؤقت. ويخشى كثير من المفكرين الإسلاميين أن تؤدي المبالغة في التاريخانية إلى فقدان المرجعية الدينية نفسها، بحيث يصبح كل نص قابلا لإعادة التأويل بلا حدود واضحة، بينما يحتاج الإنسان الحديث إلى جذور أخلاقية وثقافية تمنحه المعنى، فالتحرر الكامل من التقاليد ليس مرغوبا بالضرورة.
لكن الأصولية تجعل الماضي معيارا مطلقا، لتقع في قطيعة مع التطور التاريخي، وتتجاهل أن المجتمعات تتغير، وأن المشكلات الجديدة تحتاج إلى حلول جديدة. لكنها في الوقت نفسه تذكرنا بأهمية الهوية والذاكرة والاستمرارية الحضارية. أما التاريخانية المتطرفة فقد تقع في الاتجاه المعاكس، حين تحول كل شيء إلى نتاج ظرفي مؤقت، فتضعف قدرة المجتمعات على الاحتفاظ بمركز أخلاقي ومعياري ثابت.
لعل المخرج من هذا الاستقطاب يكمن في تثبيت حدود العلاقة بينهما، فالماضي لا يمثل سجنا، ولا عبئا يجب التخلص منه، فهو رصيد خبرات وقيم وتجارب نستفيد منه ونحاوره من دون تقديس. المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن رؤية المستقبل بالعيش على أمجاد الأسلاف فحسب، وسرعان ما نختبر الجمود والعجز عن اللحاق بالأمم الحية التي تستطيع تحويل تراثها إلى طاقة للإبداع.
الحضارات تنهض بالقدرة على الجمع بين الوفاء للأصل والانفتاح على التحول، وعندما تفقد أمة ما هذه القدرة، فإنها تدخل في قطيعة مع التطور التاريخ نفسه في آن.







