اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

منصور يكتب: حديث الفساد في الأردن

{title}
أخبار الأردن -

 

نضال منصور


فتحت استقالة وزير العمل خالد البكار شهية منصات التواصل الاجتماعي للحديث عن الفساد في الأردن، وإطلاق الفتاوى والأحكام.
واقع الحال أن طلب رئيس الحكومة الدكتور جعفر حسان من وزير العمل تقديم استقالته، بسبب تعارض المصالح ومخالفته مدونة السلوك التي يوقع عليها الوزراء، يُعد سابقة وخطوة إيجابية تُسجل للرئيس، وممارسة فضلى ينبغي الاقتداء بها والبناء عليها.
 

لم تكشف الحكومة رسميًا عن حدود تعارض المصالح الذي اتُّهم به الوزير السابق، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، ولا يُظلم أحد، فإن على الحكومة اتباع نهج الشفافية والإفصاح إذا أرادت ألا تتكرر هذه الممارسات، وأن يقتنع الرأي 
العام بصدقيتها.
ما يثير القلق أن حملات على وسائل التواصل الاجتماعي لم تتوقف منذ تسرب خبر استقالة الوزير، وبدأت حسابات على هذه المنصات تنشر ما تزعم أنه وثائق تُظهر تورط وزراء آخرين في قضايا تعارض مصالح مشابهة لقضية الوزير البكار، ويطالب أصحابها رئيس الحكومة باتخاذ إجراءات بحقهم، وألا يكون انتقائيًا، وأن يطبق العدالة على الجميع.
مهما فعلت الحكومة، فإن الشارع يبدو جاهزًا سلفًا لعدم تصديقها والتشكيك في إجراءاتها وروايتها، ولذلك تعالت أصوات تروج أن قصة البكار لا تخرج عن كونها تصفية سياسية له، على خلفية خلافات في ملفات أخرى لا علاقة لها بتعارض المصالح، وهناك من يذهب إلى اتجاه آخر، مفاده أنه يدفع فاتورة تصدره لمشهد تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، وأن إعادة طرح القانون ينبغي أن تكون بعيدة عن البكار، الذي ساهم في تأزيم الملف مع مجلس النواب والرأي العام.
مشكلة التعاطي مع ملفات الفساد في الأردن أنها موسمية، وقائمة على نظام «الفزعة»، أكثر من كونها جزءًا من سياق مؤسسي. ولهذا تتناسل قضايا الفساد ثم تختفي، بينما لا يقتنع الأردنيون والأردنيات بأن الدولة جادة في مكافحة الفساد، ولو استطلعت رأي الناس في قضايا فساد استحوذت على حيز واسع من النقاش في الفضاء العام، لاستمعت إلى إجابات صادمة وساخرة.
الفساد مشكلة عالمية تغزو كل دول العالم، وحتى لا نغرق في المبالغة، ونظلم الأردن، فإنه يحقق نتائج معقولة في مؤشر مدركات الفساد الذي تشرف عليه منظمة الشفافية الدولية، إذ حصل على 49 نقطة من أصل 100، واحتل المرتبة 59 من بين 180 دولة. ويضاف إلى ذلك وجود مؤسسات رقابية به مثل هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وديوان المحاسبة.
ما نحتاج إليه، حتى لا تحترق سمعة الأردن، هو بناء منظومة وطنية متكاملة لمكافحة الفساد، بحيث لا تصبح قضية تعارض المصالح مؤامرة أو استثناء، بل نهجًا مؤسسيًا تلتزم به الحكومات المتعاقبة، مع تطبيق صارم لهذه المعايير والممارسات، ويتبع ذلك إجراءات عديدة، مثل إشهار الذمة المالية، وإخضاع الذمة المالية لرئيس الحكومة والوزراء للتدقيق بعد مغادرتهم مناصبهم، حتى نضع حدًا للكلام والإشاعات عن وزير دخل الحكومة وكان وضعه الاقتصادي متواضعًا، والجميع يعرف ذلك، ثم خرج منها ليصبح من أصحاب الملايين، فيتساءل الناس: من أين لك هذا؟ وهل كان ذلك نتيجة التنفع والتكسب من المنصب؟
من الطبيعي أن تخضع منظومة النزاهة للمراجعة والتحديث المستمرين، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، مثل رقمنة الخدمات الحكومية، وتعزيز شفافية العطاءات الحكومية، وسرعة الفصل في قضايا الفساد أمام المحاكم، ولا ينبغي أيضا إغفال أهمية وجود برلمان يمارس دوره في الرقابة والمساءلة، وصحافة حرة مستقلة ترصد أداء الجميع.
الاستخلاص الأهم الذي ينبغي أن تتعلمه حكومتنا هو أن محاربة الفساد لا تتحقق بالضجيج، وإنما بالعمل المؤسسي، وتقديم المعلومات أولًا بأول للجمهور. فالمؤكد في تجارب العالم كافة أن الشفافية هي أفضل وسيلة وقائية للحد من الفساد، أما التكتم والظلام فهما البيئة الأكثر خصوبة لاستشراء الفساد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية