الخرشة يكتب: الاعلام القوي ..عنوان الدولة القوية ؛
د.بشار الخرشة
ليست قوة الدولة في عصرنا الحديث نتاج ما تمتلكه من جيوش أو موارد اقتصادية أو موقع جغرافي فحسب ، وإنما تتجسد ، قبل كل شيء ، في قوة مؤسساتها وكفاءتها وقدرتها على كسب ثقة مواطنيها . فالمؤسسات الرصينة هي عنوان الدولة القوية ، وهي الضمانة الحقيقية لاستقرارها واستمراريتها، لأن الدول لا تبنى بالأشخاص ، وإنما بمؤسسات فاعلة تحكمها الكفاءة وسيادة القانون والشفافية والمساءلة.
ومن بين هذه المؤسسات ، يبرز الإعلام بوصفه أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة ، حتى استحق أن يعرف بالسلطة الرابعة . فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تغطية الأحداث ، بل أصبح مؤسسة وطنية تؤدي دوراً استراتيجياً في تشكيل الوعي ، وصناعة الرأي العام ، وتعزيز الهوية الوطنية ، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع ، والدفاع عن مصالح الوطن في مواجهة حملات التضليل والتشويه.
وفي المجتمعات المتقدمة، يُنظر إلى الإعلام المهني بوصفه شريكاً في بناء الدولة ، لا خصماً لها .. فهو يساند مؤسساتها عندما تنجز ، وينبه إلى مواطن الخلل عندما تقصر او تخفق ، ويسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة ، ويمنح الرأي العام حقه في المعرفة .. وحتى عندما تضعف بعض المؤسسات الرقابية أو التشريعية ، يبقى الإعلام المسؤول قادرا على حمل صوت المجتمع ، وكشف الحقائق ، والدفاع عن مصالحها العليا والعامة ، بما يعزز قوة الدولة ويزيد من منعتها .
ولأن العالم يعيش اليوم عصر القوة الناعمة ، فقد أصبح الإعلام أحد أهم أدوات النفوذ والتأثير ، وأحد أبرز العوامل التي تصنع صورة الدول ومكانتها وهيبتها . فالدولة التي تمتلك إعلاماً مهنياً، واثقاً ، وموثوقاً ، وقادرا على تقديم روايتها الوطنية بموضوعية ومصداقية ، تكون أكثر قدرة على التأثير في الداخل والخارج .
ولعل هذه الحقيقة تتجسد فيما خلص إليه المفكر الأمريكي جوزيف ناي ، صاحب نظرية القوة الناعمة ، عندما أكد أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقوم على الإكراه وحده ، وإنما على القدرة على الجذب والإقناع وصناعة السردية الأكثر تأثيرا ، وهو ما اختصره بقوله : في عصر المعلوماتية والشبكة ، تنتصر الدولة التي تمتلك الرواية الأكثر إقناعاً .






