اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: الفرق الإسلامية (2): حديث الافتراق وأثره في الوعي الإسلامي

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي

أول ما ينبغي معرفته هو أن الافتراق ظاهرة صاحبت كل الحضارات والأديان والأفكار الأخرى، فالاختلاف سنة من سنن الاجتماع البشري، والاجتهاد بطبيعته يفضي إلى تنوع في الفهم، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا اختلف المسلمون؟ وإنما كيف تعاملوا مع هذا الاختلاف؟ وماذا أنتج من معرفة؟
 

ومن هنا فإن حديث افتراق الأمة:»تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، لا ينبغي أن يقرأ مجردًا عن الامتداد التاريخي، فالرسالة الخاتمة هي التي تمتد إلى قيام الساعة، بخلاف الرسالات السابقة التي كانت مددها الزمنية أقصر، وهذا يدعونا إلى الحذر من القراءة الإحصائية المجردة للحديث، وإلى فهم الافتراق في سياقه التاريخي المفتوح، لا بوصفه رقما جامداً في مرحلة معينة.
ويؤكد الواقع التاريخي ذلك، إذ أن كثيراً مما عدّ في كتب الفرق، لم يكن مدرسة علمية مكتملة، فبعض الفرق لم يكن نتاج مشروع معرفي، بل كان مواقف سياسية أو استجابات لظروف تاريخية سرعان ما اندثرت، فلم يبق عبر القرون إلا عدد محدود من المدارس الفكرية التي استطاعت أن تبني تراثاً علمياً متماسكاً، وأن تستمر في إنتاج المعرفة داخل الحضارة الإسلامية، ولذلك فإن المساواة بين جميع الفرق من حيث القيمة العلمية أو العمق الفكري خطأ منهجي.
هنا نرى أن بعض العلماء قد حرص على استكمال العدد الوارد في الحديث، كأن خريطة الفرق قد اكتملت في عصرهم، غير أن هذا التصور يثير إشكالًا تاريخيًا؛ إذ إن الأمة استمرت قرونًا طويلة، وما تزال تشهد نشوء اتجاهات ومدارس جديدة، ولذا فالأقرب إلى المنهج التاريخي أن الحديث يقرر وقوع الافتراق، ولا يدعو إلى إحصائه، أو حصره، فالتاريخ بطبيعته مفتوح، والأفكار في حالة تشكل دائم، ومن الصعب افتراض أن ظاهرة الافتراق قد انتهت في القرن الثالث أو الرابع الهجري، بينما بقيت الأمة تمارس حياتها الفكرية والسياسية قرونًا بعد ذلك.
ولعل من المهم أن نعيد النظر في المقصد الذي سيق من أجله حديث افتراق الأمة؛ فليس الظاهر أن غايته منح كل فرقة مبرراً لتعلن أنها وحدها الناجية، وإنما جاء في سياق تحذيري، يحث الأمة على اجتناب أسباب التفرق، ودعوتها إلى التمسك بالمنهج الصحيح، فالحديث يوجه إلى المنهج قبل الأشخاص، ولذلك فإن تحويله إلى أداة لإقصاء الآخرين يعد خروجاً عن مقصده الإصلاحي، إلى وظيفة جدلية لم تكن هي الغاية التي سيق من أجلها الحديث.
ومن هذا المنطلق، فإن لفظ “الأمة” أقرب إلى أن يفهم بوصفه منهجاً جامعاً، لا كياناً مذهبياً مغلقاً، فالأمة ليست فرقة من الفرق، وإلا لكان معنى ذلك أن الإسلام نفسه أصبح فرقة من بين ثلاث وسبعين، بل هي الإطار الجامع الذي يستوعب مدارسها واجتهاداتها، فالاختلاف في مناهج الاستدلال، أو في بعض القضايا الكلامية والفقهية، لا يخرج صاحبه من دائرة الأمة، ما دام ملتزمًا بأصول الدين الجامعة وكلياته، مع بقاء باب الاجتهاد مفتوحًا.
ومن هنا، فإن الحديث عن المذاهب المعتبرة لا ينبغي أن يكون بلغة: من حاز الحق كله؟ وإنما بلغة أدق، وهي: أيها أقرب إلى الحق في هذه المسألة؟ وأيها أبعد عنه؟ فالتفاوت هنا ليس بين حق وباطل على الدوام، وإنما كثيراً ما يكون بين درجات متفاوتة من الإصابة والاجتهاد، مع بقاء أصل الانتماء إلى الإسلام جامعاً بينها.
وثقافة «احتكار الحق» تعني أن الحقيقة قد استنفدت في فهم جماعة أو مذهب معين، فلا يبقى للآخرين إلا الخطأ، وهذه النظرة لا يعضدها الواقع التاريخي للاجتهاد الإسلامي، ولا طبيعة المعرفة البشرية، التي تظل دائمًا قابلة للمراجعة والتصويب والاستدراك، ورفض «احتكار الحق» لا يعني القول بنسبيته، كما أن الإقرار بتفاوت الاجتهادات لا يعني مساواتها، وإنما يعني أن الحق ثابت، وأن البشر يتفاوتون في الاقتراب منه بحسب قوة الدليل، وسلامة المنهج، وصحة الاستدلال.
وبذلك يتحول حديث الافتراق من وسيلة لتوزيع أحكام النجاة والهلاك إلى دعوة دائمة للاعتصام بالوحي، وإدارة الاختلاف في إطار الأمة، وبناء ثقافة علمية تؤمن بالحقيقة دون أن تمارس الإقصاء، فالغاية ليس أن يبحث كل فريق عن مبررات نجاته، بل أن تسعى الأمة كلها إلى الاقتراب من الحق، فهو الجامع الذي تتلاقى عنده الاجتهادات.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية