اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الفاهوم يكتب: حين غيّر ساعي البريد العالم… رسالة من رواية نيرودا إلى حياتنا

{title}
أخبار الأردن -

 

الأستاذ الدكتور  أمجد الفاهوم

ليست كل الرسائل تُكتب على الورق، وبعضها يصل إلى القلب قبل أن يقرأه العقل.

هكذا تبدأ الحكاية في رواية ساعي بريد نيرودا. شاب بسيط اسمه ماريو، ضاق بحياة الصيد التي ورثها عن أبيه، فاختار وظيفة تبدو عادية؛ ساعي بريد في قرية صغيرة على ساحل تشيلي. لكن المفارقة أن زبونه الوحيد كان الشاعر الكبير بابلو نيرودا.

في البداية كان ماريو يحمل الرسائل إلى بيت الشاعر، ثم أصبح يحمل أسئلته أيضًا. لم يكن يسأل عن السياسة ولا عن الشهرة، بل عن الكلمات. كيف تتحول الجملة إلى صورة؟ وكيف تستطيع الاستعارة أن تجعل البحر يتكلم، والريح تضحك، والقلب يسبق اللسان؟

كان نيرودا يجيب، لكن ماريو هو من كان يكتشف.

اكتشف أن اللغة ليست زينة للكلام، بل طريقة جديدة لرؤية العالم. وأن الإنسان عندما يتعلم كيف يصف الأشياء، يبدأ في فهمها. وعندما يفهمها، يصبح قادرًا على تغييرها.

ولم يكن ماريو يريد الشعر ليصبح شاعرًا. كان يريده لأنه أحب فتاة اسمها بياتريس، ولم يجد في قاموسه كلمات تكفي لوصف ما يشعر به. فتعلم أن الكلمة الصادقة قد تفتح بابًا تعجز القوة عن فتحه.

وهنا تكمن عبقرية الرواية.

فالكاتب لم يجعل الشعر معركة نخبوية بين المثقفين، بل وضعه في يد شاب بسيط، ليقول إن الثقافة ليست حكرًا على أصحاب الشهادات، وإنما حق لكل إنسان يريد أن يرى الحياة بعمق أكبر.

لكن الرواية لا تبقى في مساحة الحب طويلًا.

فبينما كانت الصداقة تكبر، كانت السياسة تقترب. وبينما كان ماريو يتعلم كيف يصنع الاستعارة، كانت البلاد تتجه نحو الانقسام والخوف. فجأة تصبح الرسائل أقل، والكلمات أكثر خطورة، ويصبح الصمت أحيانًا وسيلة للبقاء.

هنا ينتقل القارئ من دفء الحكاية إلى قسوة الواقع.

يذكرك سكارميتا بأن التاريخ لا يطرق الباب قبل أن يدخل. وأن التحولات الكبرى تبدأ عادة ونحن منشغلون بتفاصيل حياتنا اليومية.

ولعل أجمل ما في الرواية أنها لا تقدم الأبطال على أنهم خارقون.

نيرودا، رغم مكانته، يبقى إنسانًا يحب ويغضب ويحلم. وماريو، رغم بساطته، يكتشف أن الإنسان العادي قد يكون صاحب الأثر الأكبر إذا امتلك كلمة صادقة وموقفًا شريفًا.

وحين ننظر إلى واقعنا اليوم، نجد أن الرواية ما زالت حية.

كم من شاب ينتظر من يؤمن بموهبته كما آمن نيرودا بماريو؟

وكم من مسؤول ينسى أن كلمة تشجيع قد تغيّر مستقبل إنسان؟

وكم من مجتمع أصبح يتبادل الرسائل عبر الشاشات، لكنه فقد القدرة على إيصال المشاعر؟

لقد كثرت وسائل التواصل، لكن التواصل نفسه أصبح أكثر ندرة.

تعلمنا الرواية أيضًا أن المعرفة لا تأتي دائمًا من قاعات الجامعات، فقد تأتي من حوار صادق، أو كتاب صغير، أو صديق يرى فيك ما لم تره أنت في نفسك.

وفي زمن أصبحت فيه الكلمات سريعة، والانفعالات أسرع، تذكرنا بأن الكلمة مسؤولية. فهي تستطيع أن تبني إنسانًا، أو تهدمه. أن تجمع الناس، أو تفرقهم. وأن تبقى في الذاكرة سنوات، بينما يختفي قائلها.

لهذا لم تكن قصة ساعي بريد يحمل رسائل إلى شاعر. كانت قصة إنسان حمل رسالة إلى نفسه أولًا، فاكتشف أن أعظم الرحلات ليست تلك التي تقطعها الأقدام، بل تلك التي يقطعها العقل وهو يتعلم، والقلب وهو ينضج.

ولعل أجمل ما خرجت به من هذه الرواية أن الإنسان لا يقاس بما يحمله في يده، بل بما يحمله في داخله. فقد يحمل أحدهم حقيبة بريد، لكنه يوزع الأمل. وقد يحمل آخر منصبًا كبيرًا، ولا يترك وراءه سوى الصمت.

أما الحكمة التي تلخص الرواية كلها فهي:

ليست الكلمات هي التي تغيّر العالم، بل الإنسان الذي يؤمن بها، ويمنحها شجاعة أن تتحول إلى فعل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية