اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الحسبان يكتب: أزمة المياه في محافظة المفرق

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد حمد الحسبان


أول ما قفز إلى الذهن في وصف الأزمة الخانقة للمياه في عدة مناطق من محافظة المفرق بيت من الشعر للشاعر العربي الجاهلي طرفة بن العبد يقول فيه:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما    والماء فوق ظهورها محمول.
 

حيث يلتقي مضمون البيت مع واقع الحال في محافظة المفرق، التي تبلغ مساحتها 26551 كيلومترا مربعا، وتشير المعطيات إلى أن الجزء الشرقي» الصحراوي» من المحافظة يعوم على بحر من المياه، بحكم اتصاله بأحواض محافظة الزرقاء وارتباطه جوفيا مع بعض دول الجوار التي تستخرج كميات كبيرة جدا من المياه الجوفية لمختلف الأغراض الزراعية. ومع الفارق في مناسبة بيت الشعر، وسواء أكان قائله الحقيقي هو طرفة بن العبد أو المتصوف عبد الغني النابلسي أحد أبرز شعراء الغزل العذري، فإن حرفية النص تتسق تماما مع مقصود هذه المقالة التي تتحدث عن أزمة مياه متكررة تعيشها محافظة من أغنى محافظات المملكة بالمياه الجوفية، ويتم نقل بعض مياهها ـ دون إعلان ـ إلى أجزاء من محافظتي إربد وجرش. ويسيطر القطاع الخاص على حصة الأسد من المياه الجوفية المستخرجة.
فالتقارير الرسمية تشير إلى أن في المحافظة 550 بئرا ارتوازيا، منها 500 بئر للقطاع الخاص، تستخدم مياهها لري ما يزيد على مائتي ألف دونم مزروعة بالفواكه والخضار، ومساحات أخرى من الأراضي التي يتم استصلاحها ولم يحصل أصحابها على رخص لحفر آبار جديدة، وبالتوازي يستفيد من تلك المياه مئات المزارع لتربية الأبقار والأغنام والدواجن وزراعة وصناعة الأعلاف.
بينما تقتصر حصة الحكومة على حوالي 50 بئرا خصص بعضها لخدمة أصحاب المواشي والإبل وسط الصحراء، وما تبقى منها لتزويد المشتركين، البالغ عددهم ـ رسميا ـ 54  ألف مشترك، 608 آلاف نسمة، ولا يحصل جزء كبير منهم ـ بحسب شكاوى يتقدمون بها ـ سوى على ساعات قليلة من الضخ أسبوعيا للبعض وشهريا للبعض الآخر ما لم يحدث خلل يوقف الضخ كاملا.
أما الجزء الأكبر من سكان المحافظة وهم من اللاجئين السوريين فيبلغ عدد المسجلين منهم داخل المخيمات في المحافظة 53 ألفا، والمقيمون في المدينة والقرى أكثر من مائة ألف، مع أن العدد الرسمي يرتفع وفقا لتقرير المجلس الاقتصادي الاجتماعي إلى مليون ونصف مليون سوري يقيمون داخل المحافظة ويتغير عددهم ارتفاعا وهبوطا وفقا للتطورات السياسية والأمنية في المنطقة ويسهمون ـ حتى اللحظة ـ في زيادة حدة مشكلة مياه الشرب نظرا لتدني عدد العائدين منهم.
\فالزراعة تستهلك ما يزيد على 70 بالمائة من كميات المياه المستخرجة جوفيا، وتعاني الأحواض الجوفية من الضخ الجائر، وارتفاع نسبة التملح في المياه الجوفية التي تعد المصدر الوحيد لمياه الشرب على مستوى المحافظة. يساعد في ذلك محدودية عدد الحفائر والسدود الترابية المخصصة لتجميع مياه الأمطار والمستخدمة لغايات سقاية المواشي وتغذية الاحواض الجوفية.
ومع التأكيد على أن مشكلة شح المياه ليست جديدة، وأن بعض إدارات المياه المتعاقبة نجحت في التخفيف من حدتها من خلال إجراءات تنظيمية وإدارية وفشلت أخرى في ذلك، هناك نقطتان رئيستان لا بد من التوقف عندهما:
الأولى: أن قدوم الكم الكبير من اللاجئين السوريين إلى المحافظة وإقامتهم في مخيم الزعتري ومدينة المفرق وقراها ضاعف الطلب على المياه، وسط تقديرات بسوء الاجتهاد في اختيار مواقع المخيمات وبخاصة مخيم الزعتري حيث يقع المخيم على أهم حوض مائي يزود المحافظة وأجزاء من محافظات أخرى بمياه الشرب. ويعرّض ذلك الحوض للتلوث. وكذلك مخيم الأزرق الذي يشترك مع» الزعتري» في الحوض الجوفي ويعتبر امتدادا للأحواض المائية في المحافظة.
الثانية: أن سوء التخطيط على المستويين المركزي والمحلي كان السبب في تفاقم المشكلة، فقد توسعت عملية منح التصاريح للبعض لحفر آبار ارتوازية وري آلاف الدونمات، على حساب الحاجة لمياه الشرب، ودون إلزام أصحاب الآبار بتزويد شركة المياه بحصة من إنتاجها مقابل الثمن. ولم تواكب عمليات التزويد من مصادر جديدة من بينها خط الديسي الزيادة في عدد السكان بما في ذلك اللاجئون السوريون، وهي زيادات لا تغطي تزايد عدد السكان وارتفاع الطلب على المياه، ما أدى إلى وقف قبول طلبات اشتراكات جديدة لمنازل وأحياء أقيمت منذ سنوات بحجة أنها واقعة خارج التنظيم. أو لعدم القدرة على تزويدها بالمياه، وحرمت اشتراكات قائمة من وصول المياه عبرها لفترات طويلة خلال فصل الصيف مع أنها داخل المدن والقرى.
تلك الأزمة تزداد حدة عند حدوث أي خلل في الخطوط الناقلة، كما حدث مؤخرا عندما خرج سكان العديد من القرى والأحياء شاكين من انقطاع المياه واضطرارهم لشراء المياه بواسطة الصهاريج مع أن غالبيتها من الصهاريج الزرقاء التي تبيع مياها غير صالحة للشرب لعدم خضوعها إلى عملية الكلورة. وبالتوازي الحجز على رواتب المتخلفين عن سداد أثمان المياه من بينهم متقاعدو الضمان الاجتماعي الذين يمنع القانون الحجز على رواتبهم. 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية