اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: الفرق الإسلامية (1): قراءة خارج الانقسام

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


إذا أردنا أن ندرس تاريخ الفرق الإسلامية بموضوعية، فلا بد أن نخرج من داخل الانقسام إلى أفق أوسع، وننظر إلى المشهد من خارجه، فليس غاية هذه الدراسة إعادة إحياء الخصومات المذهبية، ولا الانتصار لطرف على آخر، وإنما فهم الكيفية التي تشكل بها العقل الإسلامي، وهو يواجه أسئلة عصره، ويبني أدواته في فهم الوحي، ويتفاعل مع تحولات الواقع، باعتباره محاولة بشرية لفهم الوحي، لا مجرد صراع لإثبات الذات وإقصاء الآخر.
 

وهنا يظهر الفرق بين الدراسة «في المذهب» والدراسة «عن المذهب»، فالأولى كثيراً ما تنشغل بالدفاع عن المسلمات وإثبات أصولها، بينما الثانية تسعى إلى الفهم والتحليل، وتبحث في أصول نشأته، وأدوات معرفته، والوظيفة التي أداها في سياقه التاريخي، ومن هنا فإن قراءة تاريخ الفرق بالأدوات نفسها التي أنتجت الانقسام، تعني عملياً إعادة إنتاج ذلك الانقسام بدل فهمه.
ولذلك فإن الفرق لا تفهم من خلال أقوالها المجردة، وإنما من خلال ثلاثة مفاتيح: سياق النشأة، وأدوات المعرفة، والغايات الفكرية التي سعت إلى تحقيقها، فالمذاهب لم تنشأ من فراغ، بل جاءت استجابة لأسئلة سياسية أو عقدية أو اجتماعية، وحاولت أن تقدم فهماً للوحي في ضوء تلك الأسئلة، ولذا فإن إسقاط معارك الماضي على الحاضر، يفقدنا القدرة على الفهم، ويجعلنا نكرر التاريخ دون وعي بجذوره، فإن تاريخ الفرق ليس تاريخ انقسامات فحسب، بل هو تاريخ تطور الأسئلة والأجوبة داخل العقل الإسلامي.
فعندما ندرس المعتزلة، مثلاً، لا يصح النظر إليهم بوصفهم مجرد أصحاب مقولات كلامية، بل ينبغي أن نفهم أنهم نشأوا في بيئة شهدت جدلاً واسعاً من الشيعة والمرجئة والخوارج وغيرهم، مع ما أثار ذلك من أسئلة عميقة حول حرية الإنسان ومسؤوليته، والعدل الإلهي، وحكم مرتكب الكبيرة، ثم تطور خطابهم لاحقاً مع اتساع حركة الترجمة واحتكاك المسلمين بالمنطق اليوناني، فاستفادوا من أدواته في بناء خطابهم العقلي، والدفاع عن تصوراتهم العقدية.
وعندما نقرأ المدرسة الأشعرية، ينبغي أن ننظر إليها بوصفها مشروعاً لإعادة التوازن بين النص والعقل، فقد جاءت في مرحلة اشتد فيها الجدل الكلامي، وسعت إلى بناء منهج يحفظ مرجعية النص، دون أن تلغي وظيفة العقل، وهنا تشكلت مفاهيم مثل: الكسب، وخلق الأفعال، والتحسين والتقبيح، ومناهج التعامل مع الصفات، فوجدت نفسها في حوار ونقد متبادل مع الاتجاه الاعتزالي من جهة، ومع الاتجاهات النصية الجامدة التي ضيقت مساحة التأويل من جهة أخرى، ولم يكن هذا الجدل مجرد صراع، بل كان تعبيراً عن سؤال عميق: كيف تضبط العلاقة بين العقل والوحي؟ 
وهنا تتضح نقطة مركزية، أن المذاهب ليست فقط آراء، بل أنساقاً عقلية كاملة، لكل نسق منطقه الداخلي، وشروط تشكله، وحدوده، وطاقته على تفسير الواقع، فلا ننظر إليها باعتبارها جزراً منفصلة، ولا باعتبارها روايات للصراع، لأن ذلك يحولها من منظومات فهم إلى شعارات جدلية.
ولا يعني هذا الفهم للاختلاف إلغاء الحق، أو تمييعه، أو القول بنسبية الحقيقة، بل تحريره من وظيفته الصراعية، وإعادته إلى وظيفته المعرفية، فالحق ثابت بمرجعية الوحي، غير أن فهم البشر له يظل اجتهاداً بشرياً يتفاوت قوة وضعفاً، ويقترب ويبتعد بحسب أدواته ومناهجه، فالتمييز واجب بين ثبات الوحي والاجتهاد، وبين قداسة النص وبشرية الفهم.
إن حاجتنا إلى هذه القراءة اليوم ليست أكاديمية فحسب، بل حضارية أيضاً، فواقعنا يشهد تحولات كبرى في الفكر والهوية والمعرفة، ولا يمكن مواجهتها بعقل ما يزال يعيد إنتاج خصومات القرون الأولى، وما لم يقرأ تراثنا بوصفه خبرة معرفية متراكمة، فسنبقى أسرى ما راكمه العقل الإسلامي من تجارب في التعامل مع الأسئلة الكبرى.
ولعل المشكلة الأعمق في وعينا بالتراث، أننا اعتدنا أن نتعامل معه بوصفه حملاً ثقيلاُ من الخلافات، ينبغي التخلص منها، لا بوصفه رصيداً هائلاً من الأفكار والاجتهادات والتجارب الإنسانية، التي يمكن أن تمد حاضرنا بأدوات جديدة للفهم والبناء، لقد انشغلنا بمن اختلف مع من، أكثر من انشغالنا بما أضافه كل منهم إلى تطور العقل الإسلامي، ومن هنا فإن تجاوز القراءة الجدلية إلى القراءة التحليلة، يفتح الباب أمام فهم أعمق للتراث، ويحول تاريخ الفرق من سجل خصومات إلى خبرة معرفية، يمكن الاستفادة منها في بناء وعي حضاري أكثر اتزاناً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية