غازي الذيبة يكتب : بين شوك الهجرة وبندقية الفدائي.. رشاد أبوشاور: سنعود
غازي الذيبة
حتى اللحظة، لا أصدق الموت. قد أصدق الرحيل، الغياب، لكن الموت، الصعقة المُدوية للنهاية، كيف يمكنها أن تكون نهاية أبدية لأولئك الذين بزغوا في حياتنا، ليعيدوا تأثيث الكون، وتشييده بالجمال وتربية الأيائل في غابات الحرية، وزراعة الحقول بذهب المعنى؟ كيف؟ الموت لا يقول الحقيقة حين يقترب من هؤلاء، لا، لا لن أصدقه، يمكنه أن يُغيَّب من عبروا عالمنا، وقضوا أعمارهم متكئين على أرائك التلاشي والمحو، لكن من أضاءوا طريقنا إلى الحرية والجمال، لا يغيبون، تظل أرواحهم فينا، تتحرك في وجداننا، توقظنا على ألقهم الذي ينتشلنا من نسيانهم.
أما الموت يا أبا الطيب، فمن المستحيل أن يقترب من صوتك الهادر، صوتك الذي ما يزال محلقا في ذاكرتي، وذاكرة من عرفوك وقرأوا إلياذة فلسطين التي سطرتها بنبضك في كتبك التي بحثت عنها، مشحونا بوهج ذكرى رواها أبي عمن خرجوا في هجرتهم الأولى من أبناء وبنات قريتنا ذكرين، المستيقظة فوق سفوح التلال في جبل الخليل إلى شتات مدبر، محمول في بقج غضب الفلسطيني الذي "خلقا من جزمة أفقا"، وظل شوك الهجرة عالقا في أقدامهم، مترقبا العودة إلى الحبيب الأول.
ومنذ عثرت على كتاب لك ذات ظهيرة من ثمانينيات القرن الماضي، وقرأته بسرعة ضوئية، أردت أن أرى رشاد أبوشاور بين الكلمات، أتعرف على ملامحه التي حدثني عنها والدي ذات مساء، عن فتى يكتب قصصه وهو متكئ على بندقيته في خندق المحاربين، منتظرا لحظة يلتحم فيها مع العدو.
عندما التقينا أول مرة بعد عودته إلى عمان، كان ومحمود درويش في زيارة إلى مقهى الفينيق. تلك كانت المفارقة المدهشة، أن التقي بهما في مقهى يحمل اسما، ينتهي إيماء أسطورته بفلسطين المصلوبة في جرحها، فالفينيق طائرنا الذي لا يموت. ووسط ازدحام الحضور حولهما، نطقتُ باسمي، فعانقني. لم يترك أحدا من الأعمام والأخوال إلا وسأل عنه، ثم قدمني إلى محمود درويش: "هذا شاعر كنعاني من عائلتي الذكرينية يا صديقي". ابتسم محمود ورحب بي وشد على يدي. لم أصدق أنني التقي نجمين حينها، يضيئان عالمنا بمجاز فلسطين الذي لا ينطفئ. كان المحتشدون يراقبون ما يجري. حينها صمت كل شيء حولي، ليظل ذاك اللقاء من اللحظات الأثيرة في حياتي.
نحن لا نعرف من نحبهم إلا عندما يغيبون. نختال كثيرا بمعرفتهم وهم بيننا، لكن تصبح هذه المعرفة بهم أكثر صدقا وجمالا حين يغيبون. لقد رسمت صورة له قبل رؤيته، صورة تشبهه تماما؛ ولد يركض في دروب مخيم النويعمة، ينصب فخا للعصافير، وحين يلتقط الفخ عصفورا، يطلقه، فينعتق في رحابة الهواء.
لم يكن رشاد أبو شاور عابرا في تجربتي، فحين قرأته أول مرة، بحثت بين سطوره عن قريتي ذكرين المحتلة، فتشت عن اسمها، لاحقت أسلافنا الذين دفنوا في ترابها على رؤوس التلال هناك، وقرأت وجوههم وأحلامهم ومحاريثهم وتيناتهم. أردت أن أراه، وأرى ذكرين التي حفظها عن ظهر قلب، وهو الذي خرج منها طفلا، مشغولا بعدها برحيل أمه، يحرسه والده الفدائي، المُذهّب بضوء قريتنا التي شَدَت خوابيها للقمح والزيتون، وضحكت أقبيتها لجرار الزيت، وزَرعت حواكيرها بالأغاني والعتابا.
كان أبناء القرية، يتحدثون باعتداد عنه، ويروون قصصا حوله، ويهتمون بصورته التي جعلت قريتهم تحضر في الكتب، ربما لأول مرة. فرحوا به وبكتابته، وبما هو عليه. ورسموا عنه حكايات مصهورة في مرجل الجمال والنضال.
استمر اللقاء يومها طويلا. زرعنا شجرة لوز كبيرة تحت دالية اللقاء الذي أصبح سلسلة لقاءات بعدها، واستمرت حتى عندما غادرتُ عمان إلى العمل في قطر، وآنذاك تسنت لي المشاركة في الإعداد لمهرجان الدوحة الثقافي، فدعتني لجنة المهرجان للاتصال به وبالشاعرين الصديقين محمد القيسي وعمر شبانة للمشاركة في أول مهرجان ثقافي كبير تقيمه قطر.
حين وصل مطار الدوحة، استقبلته أنا وعائلتي الصغيرة، وتحدثنا عن البلاد والأهل. قضى نحو أسبوع، لم أنشغل عنه فيها إلا قليلا. قدم ندوة أدبية، تحدث فيها بدفء وتلقائية كعادته، وعندما خرجنا من الندوة، أخبرني بعض الأصدقاء أنهم حديثه يصل إلى العقل والقلب بيسر وارتياح، فقد كان يتحدث بدون ورقة بحثية، ومن دون تكلف أو تصنع، برشاقة شجرة حور.
كان أسبوعا محتشدا بالأسئلة والحوارات العميقة حول دور الأدب في تحرير الأمة من سكونيتها، بحضور صديقنا المشترك الشاعر المصري حلمي سالم، رفيق بيروته، التي جمع ما كتبه عنها بعد حصار العدو الصهيوني لها في العام 1982 في كتاب بعنوان "آه يا بيروت".
وفي أمسية شعرية لحلمي سالم في المهرجان، وكان حينها دم شهداء انتفاضة الأقصى لم يجف بعد، صدح سالم بقصائد للانتفاضة، وما إن انتهى من قراءته، حتى ارتفع صوت أبو الطيب الجهوري، بهتافات لفلسطين وحريتها، رددها الجمهور وراءه. كان المشهد عظيما، وبعدها تدافع الحاضرون للسلام عليه وعلى صديقنا الذي لم تسكت عيناه عن البكاء والتأثر.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يحضر فيها إلى الدوحة، فقد عاد إليها ثانية للمشاركة في برنامج بقناة الجزيرة، ورافقته طيلة إقامته التي امتدت لعدة أيام، وفي كل مرة، كنت أناديه أبو الطيب، أو عمي؛ مناداة كانت تمتلئ ملامحه فيها بالحبور. لقد كان دافئا قريبا من القلب جدا، مسحونًا باللطف والرحابة والتدفق، وممتلئا بالأمل. كان يقول :"قربت رجعتنا. قربت.. حضر نشيد التحرير، لا تتكاسل".
لم تتوقف فلسطين عن الجريان في أوردته، فقد كان لقائي الأخير به، قبل أشهر من رحيله، بعد السابع من أكتوبر 2023، مشحونا بالتفاؤل، والانتصار، فمن صنعوا العبور العظيم إلى فلسطين هم أبناؤها: "الغزاوية رجال"، فبرغم اعتراضه على طريقتهم في إدارة قطاع غزة سابقا، لكنه بدا فرحا بعبورهم، بل ومشدوهًا به. تحدت عن التحرير الذي بات "أقرب إلينا من حبل الوريد"، وأنه يأمل بأن يشهد تلك اللحظة التي يقضي فيها ما تبقى من عمره تحت زيتونة في أعالي جبال الخليل، هناك في قريتنا ذكرين: "أريد أن أسند ظهري إلى سنسلة حاكورة، تُسوِّرها أشجار الزيتون والصبار يا عم، وأن أسمع سقسقة العصافير، واستنشق هواء الجبال النظيف".
في أحد لقاءاتنا، قلت له: "رواياتك وكتبك تحتشد بالفدائيين والفلاحين والبنادق. رواياتك مُسلحة بالغضب والحرية مثلك، تكتبك قبل أن تكتبها. تضحك مثلك، تغضب مثلك، تشتم القبح دون أن يرف لها جفن من القبيحين. كيف حدث هذا؟ كيف تشبعت بأصوات المحاربين ورشاقة أرواحهم وهم يذهبون إلى القتال دون أن يأبهوا بالموت؟". فيرد: "دعك من نظريات الأدب التي توارب في قيمة تسجيل مثل هذه اللحظات الفريدة في حياة شعبنا. واستمع لقلبك ماذا يقول. ألم تشعل روايات غسان كنفاني فيك وفي جيلكم، نشيد الحرية والتحرير؟ غازي نحن فدائيون.. فلسطين منذ أكثر من قرن وهي تقاتل الأعداء، ليس دفاعا عنا فقط، إنها تدافع عن الشرف الإنساني. لن أكتب إلا حكايتها. إذا تحررت وطردنا الصهاينة من أرضنا، سأكتب عن الدحنون والزعتر والكوفية".
ذات مساء، سألته: "هل اكتفيت من الكتابة عن فلسطين"، ابتسم: "لا، لم أكتب بعد عن العودة"، قلت له: "ستعود، سيأتي فجر التحرير العظيم وتعود يا عم".







