اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

بني عمرو يكتب: الجماهير الأردنية بعد الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني: قراءة من منظور علم الاجتماع الرياضي

{title}
أخبار الأردن -

 

د. هشام نبيل بني عمرو

لابد في بداية الحديث أن نعترف بأن نجاح المنتخب الوطني في السنوات الأخيرة أصبح ظاهرة اجتماعية، فلم يعد المنتخب الأردني لكرة القدم مجرد فريق يمثل الوطن في المحافل الرياضية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية ووطنية أعادت تشكيل العلاقة بين المجتمع والرياضة، فالنتائج التاريخية التي حققها المنتخب خلال السنوات الأخيرة لم تقتصر آثارها على المستطيل الأخضر، وإنما أسهمت في توسيع القاعدة الجماهيرية بصورة غير مسبوقة، حيث انضم آلاف المشجعين الجدد إلى دائرة الاهتمام بالمنتخب، بعد أن كان متابعوه يقتصرون في الغالب على المهتمين بكرة القدم.

ومن منظور علم الاجتماع الرياضي، فإن هذه الظاهرة ليست حدثاً عابراً، بل تمثل انتقالاً في هوية الجمهور، حيث يتحول المنتخب من فريق رياضي إلى رمز للهوية الوطنية ومصدر للفخر الجمعي، وهو ما يفسر حجم التفاعل والانفعال المصاحب لكل مباراة.

إن كل نجاح رياضي كبير يستقطب جماهير جديدة، لكن هذه الجماهير تختلف في خصائصها عن الجماهير التقليدية، فالجماهير التي عاشت سنوات طويلة مع المنتخب تعرف أن كرة القدم تمر بمراحل من الصعود والهبوط، وأن الإنجازات تحتاج إلى تراكم طويل، أما الجماهير الجديدة فقد تشكل وعيها الرياضي في ظل الانتصارات، ولذلك أصبح الفوز بالنسبة لها هو الوضع الطبيعي، وأصبح أي تراجع يُفسَّر على أنه فشل.

وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي يناقشها علم الاجتماع الرياضي، وهي أن ارتفاع سقف التوقعات ليس دليلاً على ضعف الجمهور، بل هو نتيجة طبيعية لارتفاع مستوى الإنجاز، فكلما ارتفع أداء الفريق، ارتفعت معه معايير الحكم عليه.

وليس صحيحاً أن كل انتقاد يصدر عن الجماهير الجديدة غير مبرر، فقد تكون ملاحظات الجماهير بشأن توقيت التبديلات، أو الخيارات التكتيكية، أو مستوى بعض اللاعبين صحيحة في كثير من الأحيان، لأن الجماهير أصبحت أكثر متابعة ومعرفة بكرة القدم، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى إساءة شخصية أو حملات تشكيك أو تنمر على اللاعبين أو المدربين، فاللاعب الذي يخطئ اليوم قد يكون هو نفسه الذي صنع إنجاز الأمس، والمدرب الذي يتعرض للنقد قد يكون صاحب مشروع فني طويل الأمد لا يمكن تقييمه من خلال تسعين دقيقة فقط، لذلك فإن الثقافة الرياضية الناضجة تفرق بين نقد الأداء واحترام الأشخاص.

تلوح الآن فرصة ثمينة تكمن في تحويل الجماهير إلى مصدر قوة، فالتجارب العالمية تؤكد أن الجماهير ليست مجرد متفرج، بل هي أحد عناصر المنظومة الرياضية، ويمكن تحويل القاعدة الجماهيرية الواسعة إلى عنصر قوة، وذلك يتطلب بناء هوية جماهيرية قائمة على الانتماء للمنتخب لا للنتيجة فقط، بحيث يستمر الدعم في الفوز والخسارة، وإشراك الجماهير في الحياة الرياضية من خلال اللقاءات المفتوحة، والمنصات الرقمية، والأنشطة المجتمعية، وبرامج العضوية، مما يعزز شعورها بأنها جزء من المشروع الرياضي، واستثمار الحضور الجماهيري في دعم الاقتصاد الرياضي عبر التذاكر، والمنتجات الرسمية، والرعاية، والتسويق، بما ينعكس على تطوير اللعبة، ونشر ثقافة التشجيع الإيجابي التي تجعل المدرجات مصدر دعم نفسي للاعبين، لا مصدر ضغط دائم عليهم.

وهنا تقع المسؤولية على عاتق الإدارة الرياضية، فنجاح المنتخب لا يمكن أن يعتمد على النتائج وحدها، بل يحتاج إلى إدارة قادرة على إدارة التوقعات، تعمل على انشاء قناة تواصل مستمرة مع الجماهير وتشرح الخطط المستقبلية، وتؤكد أن المشروع الرياضي يقوم على الاستدامة وليس على ردود الأفعال، وتستثمر في الفئات العمرية والأكاديميات لضمان استمرار الإنجازات، وتبني منظومة احترافية في التسويق والعلاقات الجماهيرية، وتعمل على تطوير تجربة حضور المباريات لتصبح مناسبة وطنية وثقافية واجتماعية.

بينما على الأندية الأردنية مسؤولية كبيرة أيضاً في المحافظة على الانجاز، فالأندية هي المصنع الحقيقي للمنتخب الوطني، ولذلك فإن تلبية طموحات الجماهير تبدأ من تطوير قطاع الفئات العمرية، وتحسين جودة التدريب، ومنح اللاعبين الشباب فرصاً حقيقية، ورفع مستوى الاحتراف الإداري، والاستثمار في العلوم الرياضية والطب الرياضي وتحليل الأداء، فكل لاعب يتألق مع المنتخب هو في النهاية نتاج بيئة عمل داخل نادٍ ما.

كما يلعب الإعلام الرياضي دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي الرياضي، فإذا ركز الإعلام على الإثارة والجدل بعد كل مباراة، فإنه يضاعف الضغوط على اللاعبين والجهاز الفني، أما إذا مارس دوره المهني في التحليل والتفسير وتقديم المعلومات، فإنه يسهم في رفع الثقافة الرياضية لدى الجماهير، ويحول النقد إلى أداة تطوير بدلاً من أن يكون وسيلة للهدم، فالإعلام المسؤول لا يطالب بإلغاء النقد، بل يعمل على ترشيده، ويمنح الجمهور القدرة على فهم الجوانب الفنية والإدارية بعيداً عن الانفعال.

 

وبالعودة إلى الجماهير فإنها شريكة أساسية في المشروع الوطني، ومن منظور علم الاجتماع الرياضي، فإن الجماهير ليست جمهوراً مستهلكاً للنتائج فقط، وإنما شريك في صناعة النجاح، فالمنتخب الذي يحظى بجماهير واسعة يمتلك رأس مال اجتماعياً هائلاً، يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية وثقافية ورياضية إذا أُحسن استثماره، وحين يشعر اللاعب أن خلفه أمة تدعمه حتى في لحظات التعثر، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والعودة، بينما يؤدي الخوف من ردود الفعل القاسية إلى تراجع الجرأة والإبداع داخل الملعب.

ومن الجدير بالذكر أن منتخبنا الوطني قد دخل في مرحلة جديدة في تاريخه؛ مرحلة لم يعد فيها النجاح مفاجأة، بل أصبح طموحاً دائماً للجماهير، وهذا التحول يفرض مسؤوليات جديدة على الجميع: الاتحاد، والأندية، والإعلام، والجماهير، واللاعبين.

إن التحدي الحقيقي لم يعد في توسيع القاعدة الجماهيرية، فقد تحقق ذلك بالفعل، وإنما في إدارة هذه القاعدة وتوجيه طاقتها نحو الدعم الواعي، وتحويل الحماس إلى ثقافة، والانتماء إلى شراكة، والنقد إلى أداة تطوير.

فالمنتخبات الكبيرة لا تُبنى باللاعبين وحدهم، بل تُبنى أيضاً بجماهير تعرف كيف تحتفل بالانتصار، وكيف تحمي فريقها في لحظات التعثر، لأن الإنجازات المستدامة ليست مسؤولية أحد، وإنما هي مسؤولية مجتمع رياضي كامل.

 

 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية