اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القضاة يكتب: السردية الأردنية ( السارد والمسرود )

{title}
أخبار الأردن -

 

د : سامي محمد أمين القضاة      

يقف المنجز الروائي والقصصي في الأردن اليوم كشاهد عيان على تحولات الهوية، والمكان، والإنسان. وحين نتناول "السردية الأردنية" من بوابة الثنائية النقدية (السارد والمسرود)، فإننا لا نتحدث فقط عن تقنيات فنية، بل عن مرآة حية تعكس كيف صاغ الكاتب الأردني وعيه بالذات وبالعالم من حوله. ​فمن هو السارد الأردني؟ وما هو مسروده الذي انشغل بتقديمه؟

أولاً: السارد الأردني  (الذات الواعية أوالمشتبكة )   تطور صوت "السارد" في الأدب الأردني عبر مراحل تاريخية فرضت عليه أدواراً متباينة ، ويمكن تصنيف هذا الصوت إلى ثلاثة ملامح رئيسية:

​السارد المؤرخ والموثق: ونشاهده في البدايات (مع الرواد مثل تيسير سبول، وغالب هلسا، ومؤنس الرزاز)، كان السارد يحمل على عاتقه هَمّ التأسيس والهوية. كان صوتاً مثقفاً، منشغلاً بأسئلة الوجود والسياسة ، ومحاولة فهم الذات الأردنية في سياقها العربي والإقليمي.
​السارد المتعدد الأصوات (البوليفوني): في هذا النمط، يتخلى الكاتب عن "الراعي الرسمي للحقيقة" (السارد العليم بضمير الغائب) ليمنح المنبر لعدة شخصيات تروي الحدث ذاته من وجهات نظر مختلفة ومتعارضة أحياناً، مما يلغي أحادية الرؤية. مع تطور الرواية الأردنية الحديثة والمعاصرة ، تخلى السارد عن صوته "الأحادي العليم " لصالح تعدد الأصوات. أصبحنا نرى سارداً يمنح الهامش فرصة التعيير ويتيح للشخصيات البسيطة والثانوية كالعامل  والمرأة، والمغترب، أن يرووا حكاياتهم بضمائرهم الخاصة.كما في رواية "مؤامرات السرد" أو "مخلفات الزوابع الأخيرة" للروائي الأردني جمال ناجي.
​السارد البصري والجغرافي: وهنا لا يكتفي السارد بنقل الأحداث، بل يعمل كـ "عين كاميرا سينمائية" تلتقط جغرافيا المكان، تفاصيله المعمارية، حركة الشخوص في الفضاء، وتأثير المكان على البنية النفسية للأبطال. المكان هنا "شخصية نامية" وليس مجرد خلفية ثابتة. وقد تميز السارد الأردني بارتباطه العضوي بالمكان. إنه سارد لا يصف الفضاء الخارجي كديكور، بل يعيشه كمحرك أساسي للأحداث، سواء كان هذا السارد يتجول في قاع مدينة عمان، أو يستدعي ذاكرة القرية والبادية.

ثانياً: المسرود الأردني   (حكايات المكان وتحولات الإنسان) إذا كان السارد هو القناة، فإن"المسرود" هو المادة الحكائية أو  المضامينية التي تشكلت منها السردية الأردنية. وقد تمحور المسرود حول تيمات محورية عميقة نستطيع أن نوجزها ب:                 

​1. جدلية المدينة والقرية (عمان كبؤرة سردية)

تحتل مدينة عمان نصيب الأسد في المسرود الأردني. لقد رصدت الرواية الأردنية تحول عمان من بلدة صغيرة وادعة إلى مدينة إسمنتية كبرى تلتهم الهوامش. في المقابل، يحضر مسرود "القرية والبادية" ليس من باب الحنين الجارف (النوستالجيا) الفجّ، بل كبحث عن العمق  والجذور ومقاومة التشويه الجغرافي والاجتماعي.

​2. الهوية الممتدة واللجوء والمواطنة

نظراً للموقع الجيوسياسي للأردن، انشغل المسرود الأردني بشكل مكثف بثنائية "الداخل والخارج"، وقضايا اللجوء والاندماج (خاصة القضية الفلسطينية وتأثيراتها البنيوية). المسرود هنا ليس سياسياً مباشراً، بل هو إنساني يرصد مخاضات الهوية وتمازج الهويات الفرعية وانخراطها وذوابانها في هوية وطنية جامعة.

​3. التاريخ المنسي والمسكوت عنه

اتجه المسرود الأردني المعاصر بقوة نحو "الرواية التاريخية". لم يعد المسرود يكتفي بالتاريخ الرسمي، بل أخذ ينبش في الأرشيف الشفوي المتداول بين العامة، والقصص المنسية لعمّال خط الحجاز، والانكشارية  وبناة المدينة الأوائل، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في ريف الأردن وباديته خلال القرن الماضي.

​ثالثاً: العلاقة بين السارد والمسرود (الإنتاج المعرفي) ​إن العلاقة بين السارد والمسرود في الأدب الأردني ليست علاقة محايدة؛ بل هي علاقة اشتباك وتكامل: ​نجح السارد الأردني في تحويل المسرود من مجرد "حكاية محليّة" إلى "قضية إنسانية عالمية".​حين يكتب الروائي الأردني عن تفاصيل حارة في عمان أو قرية في شمال أو جنوب الأردن، فإنه يقدم تقاطعات الخوف، والأمل، والفقر، والطبقية، وهي قيم يفهمها أي قارئ في العالم. وتجلى هذا التناغم في استخدام تقنيات تيار الوعي، والمفارقة، والواقعية السحرية أحياناً، لكسر جمود الواقع وإعادة صياغته جمالياً.

​خاتمة

​إن السردية الأردنية، عبر ثنائية السارد الواعي والمسرود الثري، استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً بارزاً في خارطة الأدب العربي والعالمي. إنها سردية لم تعد تكتفي برد الفعل أو محاكاة النماذج الجاهزة، بل باتت تنتج خصوصيتها الإبداعية، معبرةً عن إنسان هذه الأرض بتحولاته وانكساراته وانتصاراته الكبيرة و الصغيرة.

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية