اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الفاهوم يكتب: المرونة المهني والقدرة على التغيير

{title}
أخبار الأردن -

 

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن المرونة المهنية تعني تغيير الهيكل التنظيمي، أو إصدار تعليمات جديدة، أو إعداد خطة استراتيجية تتحدث عن التحول والتطوير. فهذه جميعها أدوات مهمة، لكنها لا تصنع المرونة بحد ذاتها.

المرونة المهنية هي قدرة المؤسسة على الاستجابة السريعة للمتغيرات دون أن تفقد اتجاهها أو تتعطل خدماتها أو تتراجع جودة أدائها. وهي قدرة الموظف والقائد والإدارة على التعلم المستمر، والتكيف مع الظروف الجديدة، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، مهما كانت درجة التغيير أو التحدي.

في الوزارات والمؤسسات الحكومية تزداد أهمية المرونة المهنية لأن البيئة المحيطة تتغير بوتيرة غير مسبوقة. فالتشريعات تتطور، والتكنولوجيا تتقدم، وتوقعات المواطنين ترتفع، والموارد المتاحة قد تتغير من عام إلى آخر. والمؤسسة التي تعمل بعقلية ثابتة وإجراءات جامدة تجد نفسها بعد سنوات بعيدة عن حاجات المجتمع وعن متطلبات الدولة الحديثة.

أما في الشركات والقطاع الخاص فإن المرونة لم تعد خياراً إدارياً، بل أصبحت شرطاً للبقاء. فالأسواق تتغير بسرعة، والمنافسون يظهرون من أماكن لم تكن متوقعة، والعميل اليوم أكثر معرفة وأكثر قدرة على المقارنة والاختيار. ولذلك فإن الشركة التي تستغرق شهوراً لاتخاذ قرار أو سنوات لتطوير خدماتها غالباً ما تكتشف أن السوق سبقها إلى مكان آخر.

المرونة المهنية لا تُقاس بعدد الدورات التدريبية ولا بعدد الشعارات المعلقة على الجدران. إنها تظهر عندما يواجه الموظف مشكلة جديدة فيستطيع التعامل معها، وعندما تتغير الأنظمة فيتمكن من اكتساب المهارات المطلوبة، وعندما تظهر فرصة جديدة تستطيع المؤسسة إعادة توجيه مواردها للاستفادة منها دون ارتباك أو تعطيل.

ومن هنا فإن رأس المال البشري يصبح العنصر الحاسم في بناء المرونة المؤسسية. فالمؤسسات لا تتكيف، بل يتكيف العاملون فيها. والخطط لا تنفذ نفسها، بل ينفذها أشخاص يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على التعلم واتخاذ القرار. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الأنظمة والتقنيات فقط، وإنما في بناء الإنسان القادر على استخدام هذه الأدوات وتطويرها والاستفادة منها.

القيادة أيضاً تمثل ركناً أساسياً من أركان المرونة المهنية. فالقائد المرن لا يخشى التغيير، ولا يتمسك بالإجراءات لمجرد أنها كانت مناسبة في الماضي. إنه يراجع الافتراضات باستمرار، ويستمع للآراء المختلفة، ويشجع المبادرات، ويفتح المجال للتجريب والتعلم، ويحول الأخطاء إلى فرص للتحسين بدلاً من تحويلها إلى أدوات للعقاب.

لقد أثبتت التجارب أن المؤسسات الأكثر نجاحاً ليست بالضرورة الأكبر حجماً أو الأعلى تمويلاً، وإنما الأكثر قدرة على التعلم والتكيف. فالقوة الحقيقية لا تكمن في مقاومة التغيير، بل في الاستعداد له قبل أن يفرض نفسه.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه كل وزارة وكل شركة وكل مؤسسة على نفسها اليوم ليس: هل لدينا خطة استراتيجية؟ بل: هل لدينا أشخاص يمتلكون القدرة على تنفيذها في عالم يتغير كل يوم؟ وهل نبني مهارات المستقبل أم ما زلنا ندير الحاضر بأدوات الماضي؟

هناك يبدأ الفرق بين مؤسسة تنتظر التغيير، ومؤسسة تصنعه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية