ابو رمان يكتب: لحظة أردنية بامتياز
محمد أبو رمان
قدّم المنتخب الوطني أداءً مبهراً في المباراتين الأوليين في كأس العالم، وبغضّ النظر عن النتائج والخروج من الدور الأول، بقيت أمامه المباراة الأكثر صعوبة، ومن المهم معنوياً للاعبين والجمهور أن يخوض نجومه هذه المعركة بصورة مشرّفة على أرض الميدان. أمّا الحديث عن النتائج، وعن واقع كرة القدم الأردنية وما قبل المونديال وما بعده، وعلاقة الرياضة بالسياسات العامة والحكومات، فسيكون موضوعاً لمقال قادم، لأنّ السؤال الأهم اليوم هو كيف نحوّل هذا الإنجاز من حالة استثنائية عابرة إلى طفرة تؤسس لمرحلة مختلفة ومستدامة.
لكن خارج أرضية الملعب كان هنالك لاعب آخر لا يقل أهمية عن المنتخب نفسه؛ إنه الجمهور الأردني، بل الشارع الأردني بصورة عامة. فقد كشفت هذه البطولة، والدعم غير المشروط الذي قدّمه الأردنيون لمنتخبهم، عن معدن هذا الشعب، وأظهرت في الوقت نفسه طاقة وطنية كبيرة كانت كامنة وغير مرئية بالقدر نفسه من الوضوح الذي رأيناه خلال الأسابيع الماضية. فجأة وجد الأردنيون أنفسهم أمام صورة مختلفة عن ذواتهم، ووجد الآخرون أنفسهم أمام الأردن بصورة لم يعتادوا رؤيتها من قبل.
ليس المقصود هنا التشجيع الرياضي فحسب، فهذا أمر طبيعي ومألوف في كل البلدان، بل المقصود تلك الروح الوطنية التي انفجرت داخل البلاد وخارجها، وتحولت إلى حالة جماعية جامعة. هو قميص المنتخب الذي ارتداه الملك وولي العهد والمسؤولون والناس في الشوارع والمقاهي والمنازل. وهو الشماغ الأحمر الذي ملأ المدرجات والشوارع الأميركية وأصبح علامة بصرية مرتبطة بالأردن وثقافته وتاريخه.
وهو أيضاً صور البترا وجرش والتراث الشعبي الأردني، والدحية التي صدحت في محيط مقر إقامة المنتخب، وبيت الأردن الذي أقيم دعماً للمنتخب فتحوّل إلى مساحة ثقافية ووطنية نابضة بالحياة، وأصبح نافذة للتعريف بالأردن وتاريخه وتراثه أمام الآلاف من الزوار والإعلاميين والجماهير.
وهو أغاني عمر العبداللات التي تحولت مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية الأردنية، وموسيقى القوات المسلحة التي امتزجت بأصوات الجماهير في شوارع سان فرانسيسكو، والشخصية الأردنية التي ظهرت بصورة جميلة تجمع بين الوطنية والكرم والتواضع والمرح والانفتاح في الوقت نفسه.
وهو أيضاً أبناء مطعم «غماس بلدي» الذين انطلقوا من مدينة السلط بمبادرة شخصية خالصة، فصنعوا حالة أردنية لافتة في شوارع سان فرانسيسكو وروّجوا للأردن بصورة ربما عجزت عنها حملات دعائية ضخمة. وهو المؤثرون الشباب، مثل «نشمي أردني» ومحمد أنور الشوابكة وغيرهما، ممن نجحوا في تحويل متابعة المنتخب والدوري المحلي إلى مساحة وطنية جامعة خلقت تفاعلاً غير مسبوق على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهم أبناء الجالية الأردنية في الولايات المتحدة الذين قدموا من مختلف الولايات، والتقوا بالقادمين من الأردن في مشهد استثنائي، وأظهروا قدرة لافتة على تنظيم أنفسهم وإنتاج مبادرات ثقافية ورقمية ومجتمعية عززت الحضور الأردني في المونديال، وقدّمت نموذجاً مميزاً لما يمكن أن تقوم به الجاليات حين ترتبط بقضاياها الوطنية بصورة مباشرة.
وهي أيضاً القيادة التي اندمجت بصورة طبيعية وعفوية مع هذه الحالة الوطنية؛ الملك وولي العهد والأمير علي والعائلة الهاشمية الذين حضروا بين الناس، بعيداً عن البروتوكولات الجامدة، وشاركوا الأردنيين مشاعرهم وفرحهم وقلقهم وأحلامهم. لم يكن المشهد هنا مجرد دعم رسمي لمنتخب وطني، بل تعبيراً عن حالة من التماهي والانسجام بين الدولة والمجتمع في لحظة وجدانية جامعة..
لعلّ الأهم من ذلك كله أن ما شهدناه يمثل انتقالاً مهماً من الهوية الدفاعية إلى الهوية البناءة؛ فخلال السنوات الماضية كثيراً ما ارتبط الحديث عن الهوية الوطنية الأردنية بالنقاشات السياسية الحساسة والأسئلة المقلقة والانقسامات والجدالات، أما في هذه التجربة فقد ظهرت الهوية الوطنية بوصفها مناسبة للاحتفال المشترك والفخر الجماعي والانتماء الطوعي، وهي نقلة مهمة تستحق التأمل والبناء عليها مستقبلاً.
لقد كانت هذه البطولة مختبراً حقيقياً لمفهوم الهوية الوطنية الأردنية، وقد نجح الأردنيون فيه بامتياز. وربما الخلاصة الأهم أن ما رأيناه يكشف عن وجود ضمير وطني حيّ ومتجذر، يتجاوز الضجيج اليومي والخلافات العابرة، فمهما كانت هناك تحديات اقتصادية أو سياسية أو نقاشات حادة حول قضايا الهوية والانتماء، فإنّ ما ظهر في هذه اللحظة يؤكد وجود رصيد عميق من الوفاء والإيثار والمحبة لهذا الوطن.
هذه هي القوة الناعمة الأردنية التي كنا نتساءل طويلاً أين تكمن. وهي أيضاً الدبلوماسية الشعبية الأردنية بأفضل صورها. وربما كانت هذه المرة الأولى التي تلتحم فيها الجالية الأردنية الكبيرة في الولايات المتحدة مع قضية وطنية بهذا الزخم، بينما تكررت المشاهد نفسها في عواصم ومدن أخرى يوجد فيها أردنيون.
المهم الآن ألا نتعامل مع ما حدث بوصفه لحظة عاطفية عابرة. المطلوب أن نفهم ما الذي جعل هذه الطاقة الوطنية تظهر بهذا الشكل، وكيف يمكن البناء عليها وتطويرها في مجالات الثقافة والسياحة والهوية الوطنية والدبلوماسية الشعبية وعلاقة الجاليات الأردنية بالشأن الوطني. فربما كانت القيمة الأهم لهذه التجربة أنها كشفت للأردنيين أنفسهم ما يمتلكونه من طاقات كامنة، وأعادت تعريف صورة الأردن أمام العالم في لحظة نادرة يصعب تجاهل دلالاتها.
لقد كانت بالفعل لحظة أردنية بامتياز.






