الرواشدة يكتب: صوتٌ يهمس داخل الأردنيين : وجدناه
حسين الرواشدة
يتنامى لدى تيار عريض من الأردنيين ،الشباب تحديداً، إحساس وطني عميق تجاه بلدهم /الأردن، كأنهم التقوه بعد غياب طويل ، أو كأن صوتاً ما بداخلهم يهمس بحرارة المحبين : وجدناه ، ، هذا ليس مجرد انطباع ، وإنما نتيجة عملية متابعة ورصد استغرقت أكثر من عامين ؛ الأردنيون تغيروا ، ربما اكتشفوا بلدهم ودولتهم و ذاتهم الوطنية من جديد ، ربما أصبحت تراودهم أكثر هواجس الخوف والقلق على مستقبل الأردن ، ربما فتحوا أعينهم على أخطار تتغلغل من داخلهم ، أو تتسلل من خارج الحدود ولا تضمر لهم خيراً.
كل ما ذكرته، سلفاً، من احتمالات ، في سياق ما طرأ من تحولات على مزاج الأردنيين وقناعاتهم ، واردة ، بعد الحرب على غزة( 7 أكتوبر 2023 ) تحرك على ما يبدو لدى الأردنيين الإحساس بالخطر على جبهتين: خارجية وداخلية، الخارجية معروفة وهم مستعدون للتعامل معها، كما فعلوا ذلك عبر تاريخ صراعهم الطويل مع أعدائهم ، لكن الجبهة الداخلية كانت مفاجأة، تيارات سياسية تقمصت عباءة الفصائل استفزت الشارع وحاولت اختطافه ، تحدثت عن كل شيء إلا عن الأردن لم تذكره إلا بالإساءة ، من هنا بدأ السؤال يتردد على ألسنة الأردنيين : أين الأردن ؟ جاءت الإجابة على الفور : هنا متجذر كقرامي الزيتون ، سقط الذين راهنوا على زواله ، وبقي واقفاً كالجبال الراسيات.
منذ ذلك الوقت التقط الأردنيون الرسالة ، بدأوا نقاشاتهم حول الهوية الوطنية الأردنية ، وتوافقوا على أنها واحدة بلا منافس أو مناكف وبلا أي إضافة ، بدأوا بإعادة كتابة سرديهم من جديد ، سردية الأرض والتاريخ والإنسان ، الماضي والحاضر والمستقبل، بدأوا يخرجون من السواد العام الذي حاول البعض إغراقهم فيه ، نظروا إلى زوايا الإنجازات ، أهم إنجاز هو الدولة التي بقيت منيعة صامدة ، ربما أخطأت وأصابت ، لكنها أفضل الموجود في محيط تهدمت فيه كثير من الدول ،وانضمت أخرى إلى قوائم الدول الفاشلة.
في هذه اللحظة التاريخية الفارقة التي انتشعت فيها الروح الوطنية الأردنية لدى الأردنيين، بعد أن استوعبوا صدمة الأخطار والاستهدافات ، وما يحاك لهم من دسائس ومؤمرات، جاء إنجاز "المنتخب " الذي وصل إلى كأس العالم ، هنا أخرج الأردنيون كل ما لديهم من أرصدة في الوجدان والعقل الوطني وأشهروها أمام الملأ ، لم يكن "المنتخب " إلا مناسبة أو لحظة جاءت في الوقت المناسب لكي تكشف الحس الوطني الذي بقي مكبوتاً سنواتٍ ، وربما عقوداً طويلة ، لدى الأردنيين تجاه الأردن الدولة والوطن معاً.
بقي لديّ رجاء ، الأردن دخل مئويته الثانية ، هذا الخزان الأردني الذي امتلأ بالوعي على الأردن ومن أجله بهمة تيار النشامى الأردنيين يبحث الآن عن روافع، أقصد نخباً تحمله ، وعن قنوات تصريف سياسي ، أقصد أحزاباً حقيقية تحتضنه، وعن مسؤولين يستقبلون رسائله ويردون عليه التحية بمثلها ، أقول لكل من يحب الأردن ويؤمن به وبقيادته ومؤسساته، لكل من يريد وطناً لا مجرد رقم أو غنيمة أو حقيبة سفر : رجاءً استثمروا في هذا الوعي، أعيدوا على أسماع الجميع : وجدنا الأردن ، ولن نتخلى عنه أبدًا ولن نخذله.







