اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو دلو يكتب: المنتصر هو الإقليم

{title}
أخبار الأردن -

 

معاذ وليد أبو دلو


بعد أشهر من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبعد هدنة استمرت لأكثر من شهرين، أعلن مؤخراً قبل أسبوع عن التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب، وبداية الأسبوع انطلقت أعمال قمة لوزيرن في سويسرا والرامية إلى الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل بين الولايات المتحدة وإيران بحضور وسطاء إقليميين، وفي مقدمتهم باكستان وقطر، تمهيداً للدخول في مرحلة تفاوضية نهائية تهدف إلى معالجة جذور النزاع والخلافات المتراكمة، وعلى رأسها ملف البرنامج النووي الإيراني.
 

لقد كشفت هذه الحرب، كما كشفت مرحلة وقف إطلاق النار، عن مجموعة من الحقائق السياسية والاستراتيجية التي تستحق التوقف عندها. 
فمنذ بداية الأزمة، أثبتت إيران أنها طرف يمتلك قدرة تفاوضية عالية، ويجيد توظيف عامل الزمن في إدارة الصراعات، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي. 
كما أظهرت الأحداث أن العديد من القوى الدولية الكبرى فضلت البقاء بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة، إدراكاً منها للمخاطر المترتبة على أي انخراط واسع قد يؤدي إلى انفجار إقليمي أو حت دولي يصعب احتواؤه أو السيطرة على تداعياته.
في المقابل، بدت الولايات المتحدة الأميركية حريصة على تحقيق أهداف محددة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة وشاملة. 
فالإدارة الأميركية كانت تدرك أن توسيع نطاق العمليات العسكرية قد يفرض عليها التزامات سياسية وعسكرية واقتصادية لا ترغب في تحملها، خصوصاً في ظل بيئة دولية معقدة وتحديات داخلية متزايدة. أما إسرائيل، فقد ظهر أنها أكثر ميلاً إلى استمرار حالة الصراع، باعتبار أن المواجهة مع إيران تشكل جزءاً من رؤيتها الأمنية والاستراتيجية طويلة الأمد، كما أن حكومة بنيامين نتنياهو كانت من أبرز الأطراف الدافعة نحو التصعيد، الأمر الذي ساهم في جر الولايات المتحدة إلى ساحة مواجهة لم تكن في الأصل راغبة في توسيعها إلى هذا الحد.
ومع إعلان وقف الحرب، بدأ كل طرف بتسويق روايته الخاصة للانتصار. فإيران تسعى إلى تقديم ما جرى لجمهورها الداخلي باعتباره نجاحاً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وإثباتاً لقدرتها على الصمود وفرض معادلات ردع جديدة. 
كما تركز في خطابها السياسي والإعلامي على قدرتها في التأثير على حركة الطاقة العالمية، وإبراز أهمية موقعها الجيوسياسي في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أنها حققت الأهداف الأساسية التي أعلنت عنها منذ بداية العمليات، وأن المرحلة التفاوضية المقبلة ستسمح لها بتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستدامة. ومن الناحية الموضوعية، لا يمكن إنكار أن واشنطن تمكنت من تحقيق جزء من أهدافها المعلنة، سواء من خلال استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، أو مراكز بحثية متخصصة، أو شخصيات عسكرية وسياسية بارزة، إضافة إلى توجيه ضربات لمنشآت عسكرية ذات أهمية استراتيجية.
إلا أن النتيجة الأبرز التي لم تتحقق تمثلت في إسقاط النظام السياسي الإيراني. وقد كنت أشرت في العديد من المقابلات والمقالات السابقة إلى أن بنية النظام الإيراني تختلف عن النماذج التي اعتادت الولايات المتحدة أو إسرائيل التعامل معها. فالنظام الإيراني يستند إلى تركيبة دستورية وسياسية وأمنية معقدة، تجعله أكثر قدرة على امتصاص الضغوط الخارجية والاستمرار في العمل رغم الأزمات. ومن ثم، فإن أي حديث عن إسقاطه بالقوة العسكرية التقليدية كان يفتقر إلى الواقعية السياسية، ما لم يقترن بحرب شاملة ومفتوحة تستخدم فيها الولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة من القوة العسكرية، وهو ما لم يحدث عملياً.
ومن منظور القانون الدولي، فإن هذه الحرب أعادت التأكيد على حقيقة أساسية مفادها أن القوة العسكرية، مهما بلغت فاعليتها، لا تستطيع وحدها إنتاج حلول سياسية دائمة. فالنزاعات المعقدة ذات الأبعاد الأمنية والعقائدية والاستراتيجية لا تنتهي عادة بالحسم العسكري الكامل، وإنما بالتسويات السياسية التي تراعي موازين القوى والمصالح المتبادلة. كما أن العودة إلى طاولة المفاوضات بعد أشهر من القتال تعكس إدراك جميع الأطراف بأن الاستمرار في الحرب كان سيؤدي إلى مخاطر أكبر من المكاسب المحتملة.
لذلك، فإن الحديث عن منتصر حاسم في هذه الحرب يبدو مبالغاً فيه. فكل طرف حقق بعض أهدافه وخسر في الوقت ذاته جزءاً من رهاناته. أما الانتصار الحقيقي، فيكمن في وقف الحرب ذاتها ومنع تحولها إلى نزاع إقليمي واسع النطاق. 
فهذه المنطقة تمتلك من عوامل التوتر والتشابك ما يكفي لإنتاج أكثر من حرب في الوقت نفسه، ولو استمرت المواجهات لفترة أطول لما كان بالإمكان ضمان عدم توسعها لتشمل أطرافاً ودولاً أخرى.
إن أهم ما أفرزته هذه المرحلة هو إعادة التأكيد على أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر منطق القوة وحده، بل من خلال بناء تفاهمات سياسية وأمنية قادرة على معالجة أسباب النزاعات قبل أن تتحول إلى مواجهات مفتوحة تهدد أمن المنطقة والعالم بأسره.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية