اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

البراري يكتب: قادش الجديدة: لنتوقف الآن ونرى ماذا سيحدث

{title}
أخبار الأردن -

هزاع البراري

 

ما حدث من توافق بين أمريكا وإيران، وادعاء كل طرف أنه حقق النصر أو حقق مبتغاه من المواجهة، وعدم قدرة بنود مذكرة التفاهم/الاتفاق على حسم نصر واضح المعالم لأي طرف، يذكر بمعركة قادش قبل آلاف السنين بين الفراعنة بقيادة رمسيس الثاني والحثيين بقيادة الملك مواتالي الثاني عام 1274 ق.م قرب مدينة حمص الحالية شمالي سوريا. فبعد معارك طاحنة بين الطرفين، لم يتمكن أي طرف من تحقيق النصر المبتغى، فنتج عن هذا الواقع أول اتفاقية سلام أو هدنة طويلة المدى. وقد صورت نقوش الفراعنة على معبد الكرنك النتائج باعتبارها نصرًا مؤزرًا لرمسيس الثاني، ووثق الحثيون نصرهم على الفراعنة في المعركة ذاتها بنقش أصلي، فأعلن كل طرف نصره المؤكد في وجه التاريخ، غير أن بنود اتفاقية قادش تقول إن المعركة لم تُحسم، وإن العجز عن تحقيق النصر خلق حالة من التوازن والتعادل، وثقتها مواد هذه الاتفاقية، التي أوقفت الحرب ردحًا من الزمن.

هل التاريخ يعيد نفسه؟ بشكل ما تتشابه بعض الأحداث مع مرور الزمن، ولكن ليس هذا هو المهم، بل الأكثر أهمية هي الدروس المستفادة مما حدث سابقًا ويحدث الآن. نعم، الزمن غير الزمن، والسياق ليس ذات السياق، لكن ما نريد قوله هنا أن واقع اللامنتصر لا يمكن أن يتحول إلى واقع طويل المدى، فلم يحسم أي طرف الصراع لصالحه، وإن حقق بعض المكاسب وقدم بعض التنازلات، لكن الأهداف الكبيرة أُجلت، وهو تأجيل برسم الترصد والتربص، وكأن لسان الحال يقول: لنتوقف الآن ونرَ ماذا سيحدث مع مرور الأيام. وكل من أمريكا وإيران يعي ذلك تمامًا، فإلى أي جانب يصطف الزمن؟

إيران عانت على أكثر من مستوى، لكنها تتقن كتم الألم، وأمريكا جاءت كلفة الحرب بالغة الكلفة عليها لوجستيًا، مع إدامة كلف سياسية وداخلية، إضافة إلى الضرر الاقتصادي الإقليمي والعالمي المتفاقم، فبدا أن البيئة العامة غير مشجعة أو صالحة لمواصلة الحرب عند كلا طرفي النزاع. كما أن كثيرًا من الفواصل المهمة لم تتضح معالمها، مثل الأذرع الإيرانية ومستقبل المنظومة الصاروخية، والوضع في الجبهة اللبنانية، وما يتعلق بآليات التخصيب وضبطه مستقبلًا. وتبدو الأمور أنه تم التوافق على ما هو متاح ومنطقي مرحليًا، ووضع بعض الملفات على رف التأجيل مع المراقبة الدائمة، وهذا كله يؤكد أن الحسم غاب، وأنه ربما يكون للزمن وتحولاته دور ما في حسم ما لم يُحسم بالموت السريري.

إيران تعي أن ترامب لن يكون رئيسًا لأمريكا بعد قرابة السنتين، وأن أولوياتها قد تتغير حسب إفرازات الانتخابات الأمريكية القادمة، في حين أن أمريكا تعول على الداخل الإيراني، فوحده القادر على إحداث تغيير جوهري في إيران، وهذه حسابات برسم الزمن، وليس من ضمانة لحدوثها. لكن الأهم أن دروسًا كثيرة يمكن الإفادة منها، خاصة في منطقتنا العربية، فعودة حتمية الضامن العربي العربي توضحت أكثر، وبناء قدرات ردع ومواجهة عربية هو الأنجع على المدى الطويل، كما يكشف أكثر اضمحلال دور جامعة الدول العربية، وعجزها عن تحقيق أي فارق يعول عليه.

هل تغيرت المنطقة؟ ليس جوهريًا بالتأكيد، لكن آثارًا بالغة تركت خطوطها الداكنة على المنطقة، ولكن الاستشرافات المستقبلية عميقة الغموض، على الأقل حتى تتضح أمور لم تتكشف تفاصيلها بعد. فيجب ألا ننسى أن هناك تفاصيل سرية وتوافقات خفية ترافق أي اتفاق من هذا النوع، وهو أمر لن تكشف عنه المؤتمرات الصحفية والبيانات الدبلوماسية لكل طرف، بل إن الممارسة على الأرض مع مرور الأيام ستساعد في الإعلان عن نفسها، فلننتظر ونرقب ما سيحدث.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية