هل تنجح الحكومة في اجتياز "مطب" الضمان؟
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية - الحقوقي/ موسى الصبيحي
لم أكن أرغب بالتعليق ولا بكلمة واحدة على قرار الحكومة أمس بتعيين الدكتور حازم الرحاحلة مديراً عاماً لمؤسسة الضمان الاجتماعي، فقد يكون لديها أسبابها، وأولها لا بل أهمها معالجة أزمة الضمان التي فجّرتها الدرلسة الإكتوارية الأخيرة في حضنها.
كنتُ أكثر مَن عارض سياسات الرحاحلة إبّان تقلده لمنصب مدير الضمان خلال الفترة من 2018 إلى 2022، وكتبت في ذلك مئات المقالات وبالأرقام والحجج. وحتى ما قبل ذلك كنت نصحت، لمن لا يعلم، بعدم الخوض في تجارب ليست مأمونة النتائج، كما نصحت بعدم التسرّع في بعض القرارات، وكذلك المراجعة الناجعة لبعض السياسات، إضافة إلى دراسة معمّقة شاملة لآثار أي تعديلات تشريعية تمس جوهر الضمان والحماية الاجتماعية قبل الولوج فيها.
ليس بيني وبين الرحاحلة أي خلاف شخصي، ولكن اختلافي معه كبير وكبير جداً في النهج والسياسات، وهذا حق لي كما هو حق له، لكن في النهاية نحن نتطلع إلى ما يخدم الصالح العام بمجمله وبكل أطرافه، ومن زوايا الديمومة والعدالة الاجتماعية.
باختصار شديد جداً، فإن إعادة الرحاحلة إلى "الضمان" هو من أجل تعديلات القانون، وهذا كان واضحاً في الإيجاز الحكومي المصاحب لقرار التعيين، بعد أن رأت الحكومة أن المدير العام الذي أحالته امس إلى التقاعد الزميل المحترم جادالله الخلايلة، الذي لم يمض سوى عشرة أشهر على تعيينه، لم يستطع تمريرها والدفاع عنها.
لكن ما أود الإشارة له والتذكير به هو الآتي:
أولاً: أن الرحاحلة كان قد قدّم مشروعاً موسّغاً معدّلاً لقانون الضمان طالَ أكثر من نصف مواده، لكنه أخفق في تمريره، وتم ردّه بالكامل بسبب جدليته وعدم نضح ما تضمّنه من تعديلات، اعتقد جازماً أنها كانت متسرّعة ولم تُدرَس بما فيه الكفاية.
ثانياً: الرحاحلة هو من أسّس للشمول الجزئي للشباب "دون سن 28 سنة" بتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة بنسب اشتراكات "تم اختراعها" وليس لها أساس في القانون، كما أن التجربة ثبت عدم جدوى هذا التعديل، ولم يكن له أثر واضح على تحفيز تشغيل الشباب، وحرمَ مؤسسة الضمان من اشتراكات بالملايين، بصورة خرقت مبدأ العدالة بين المؤمّن عليهم، كما خرقت نفس المبدأ بين أصحاب العمل.
ثالثاً: الرحاحلة جارَ على أموال الضمان بأوامر دفاع أصدرتها الحكومة زمن كورونا بتنسيق كامل معه، في سابقة لم تحدث من قبل، مسّت حصانة أموال العمال كما نصت عليها المادة ( 19/ب) من القانون. وأدّت سياسة رفع بعض قيود التدقيق إلى تحايل بعض المنشآت على مؤسسة الضمان وسحب أموال دون وجه حق، وكانت المؤسسة قد أفصحت عن ذلك بعد ثبوت عدد من حالات التحايل. ولا أريد أن أتطرق بالأرقام عن إنفاقات المؤسسة الجائرة زمن الجائحة، وبعضها موثّق بتصريحات صادرة على لسان الرحاحلة نفسه.
رابعاً: الرحاحلة هو من أشرف على الدراسة الإكتوارية العاشرة التي أعطت مؤشّرات تعادل متفائلة جداً، بالرغم من عدم نشر تلك الدراسة حتى يومنا هذا، وأدّى البون الشاسع بين تلك المؤشّرات إلى التسبّب بصدمة كبيرة للحكومة والمجتمع حين ظهرت مؤشّرات الدراسة الحادية عشرة، لتنفجر في حضن الحكومة الحالية بصورة مفاجئة وصادمة، حيث وجدت الحكومة نفسها أمام استحقاق قانوني يلزمها بإجراء جراحة عاجلة وضرورية وقاسية على القانون.
خامساً: الرحاحلة هو من أوقف في مرحلة ما الشمول المزدوج للعاملين لدى أكثر من منشأة ( المؤمن عليه متعدد الوظائف) في الوقت الذي كان فيه هذا الشمول مفيداً لكل الأطراف، كحماية للعامل أولاً، ثم كإيراد تأميني لمؤسسة الضمان، ثم كعدالة بين المنشآت.
سادساً: الرحاحلة كان قد قدّم فكرة تطبيق التأمين الصحي الاجتماعي بطريقة منقوصة وبدون أي شراكة حقيقية مع الحكومة، ومع تحميل المؤمّن عليه الكلفة ونسبة الاشتراكات المترتبة على ذلك، مقابل تأمين جزئي فقط. ولم تكن الفكرة تحمل إمكانات او احتمالات الاستمرار والديمومة فيما لو تم تطبيقها، ما كان سيورّط مؤسسة الضمان بكلف مالية كبيرة أيضاً، ولا تلبث أن تدفع للتراجع عنها.
سابعاً: أن التقاعد المبكر القسري في القطاع العام تم التأسيس له زمن الرحاحلة حين اتخذت حكومة دولة عمر الرزاز قرارها بإحالة كل من أكمل (360) اشتراكاً بالضمان إلى التقاعد المبكر بصرف النظر عن سنّه، وكان ذلك بالتنسيق مع مدير الضمان الذي طلب فقط استثناء موظفي الضمان من القرار. وقد أدّى العمل بقرار الحكومة منذ العام 2020 إلى اليوم إلى إحالات عشرات الآلاف من موظفي القطاع العام إلى التقاعد المبكر قسريّاً، ما أدّى إلى إلحاق أذى كبير بالمركز المالي للضمان، وواقع أرقام وبيانات المؤسسة تثبت ذلك بوضوح.
ثامناً: الرحاحلة هو الذي قام سنة 2019 بوضع نظام تنظيم إداري للمؤسسة، بشكل فضفاض ومتضخم جداً، تضمن ( 26 ) إدارة مركزية، و ( 6 ) مساعدين للمدير العام وعدد كبير من المستشارين، إضافة إلى أكثر من ( 90 ) مديرية ووحدة إدارية، ما أدّى إلى وضع إداري غير صحيح في المؤسسة ( مؤسسة كلها قيادات ورؤساء إداريين بعدد قليل من المرؤوسين). ولا تزال المؤسسة تعاني من تبعات وآثار هذا النظام إلى اليوم.
هذا فقط ما أردت التذكير به، ونحن أمام مرحلة جديدة حسّاسة للضمان، أتمنى شخصياً أن نكون حذرين في التعامل معها واجتيازها بنجاح على كل المستويات، وأن لا تنطوي على أي تسرّع أو انحيازات أو اجتهادات خاطئة. وأن يكون الصالح العام والحفاظ على حقوق مشتركي الضمان ومنتفعيه وحقوق الأجيال واستدامة النظام التأميني هو أولويتنا ومحط اهتمامنا الأول والأخير.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).






