اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: عن العلاقة بين المعرفة، والأخلاق، والسلطة..! (2/2)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


قد يفسر ما يسميه إيلان بابيه “الغباء الأخلاقي” بعض الحالات التي يتعطل فيها العقل النقدي أمام موضوع محدد دون غيره بحيث تسكت الأدوات التحليلية التي يستخدمها صاحبا في مقاربة القضايا الأخرى. لكن هذا التفسير لا يستوعب الظاهرة كلها. ثمة حالات تصعب إحالتها إلى سوء التقدير أو قصور الإدراك، لأن أصحابها أذكى من أن تخفى عليهم الوقائع الأساسية -أو حتى مواطن الاختلال في مقاربتهم. ماذا لو لم تكن الظاهرة ناجمة عن عجز معرفي، وإنما عن حسابات تجعل تجاهلها خيارًا واعيًا؟
 

في بعض الحالات، يقدر البعض ببساطة، عندما يجدون أنفسهم أمام خيارات عملية، أن التماهي مع خطاب المهيمن/ القوي/ صاحب السلطة يفتح أبوابًا مهنية وإعلامية وسياسية، ويجلب لصاحبه قبولًا أكبر لدى دوائر النفوذ. هناك يتراجع حساب المعرفة ليحكُم حساب المصلحة.
في الإعلام، قد يكون هذا الموقف أكثر قابلية للتسويق في المنصات الإقليمية والدولية السائدة -وأكثر أمانًا من حيث العلاقات والمال والظهور. وفي المجال السياسي، قد يفتح الانحياز إلى تفسير “الواقعية” و”الاعتدال” -كمرادفات لتطبيع الهيمنة وتأليه السلطة- طريقًا إلى القبول في الداخل والخارج، والتمتع بالحماية السياسية. وفي الأكاديميا، قد يشعر باحث بأن الاقتراب من سردية معينة يفتح له أبواب المؤسسات والمنح والشبكات المهنية، بينما يعرّضه الاقتراب من السردية المضادة للعزل أو الوصم. والأمثلة وفيرة على باحثين عرب يعملون مع مراكز بحثية صهيونية أو يمينية صريحة ويكتبون لها عن أوطانهم ما تريد.
لماذا قد يقبل صاحب إمكانيات معرفية وفكرية بخسران احترام جزء كبير من جمهوره أو تعريض نفسه لاتهامات بشبهة التبعية أو النفاق؟ -أو “الغباء الأخلاقي”، بتقدير بابيه؟ ربما لأنه يسترشد برهان: أن الاعتراف الذي يكسبه من مراكز القوة أهم –في تقديره- من الاعتراف الذي يخسره لدى الجمهور؛ وأن المكاسب الرمزية أو المادية أو المهنية تستحق الثمن.
في الحقيقة، ليس هذا الرهان جديدًا في التاريخ. في كل لحظة استعمارية أو صراع من أجل الحرية تقريبًا، ظهرت نخب رأت أن مستقبلها الشخصي أو السياسي أو الثقافي مشروط بالتكيف مع القوة المهيمنة وليس معارضتها. وعادة ما رأت هذه النخب نفسها واقعية وحداثية وتقدمية في مقابل “عاطفية” الجماهير أو “رومانسية” المقاومين. وبعضها آوى اعتقادًا صادقًا بأن التاريخ حسم أمره، وأن مقاومة القوى الكبرى لا تعدو كونها تأخيرًا مُكلفًا لما لا يمكن منعه.
قد يكون وصف “العوز الأخلاقي” أدق من “الغباء الأخلاقي” في هذه الحالة. ثمة وفرة في الذكاء، لكنّ هناك فصلًا تعسفيًا للذكاء عن البوصلة الأخلاقية. وسوف يكون الشخص قادرًا على التحليل الدقيق، لكنه يستخدم هذه الملَكة بصورة انتقائية. وهو يرى الوقائع بحقيقتها، لكنه يمنح البعض منها وزنًا أخلاقيًا ويحجبه عن البعض الآخر.
المشكلة في هذا الفصل بين المعرفة والأخلاق هو تقديمه كفضيلة فكرية: “الواقعية” تقتضي التخلي عن الأحكام الأخلاقية؛ السياسة لا تُدار بالمبادئ وإنما بالمصالح؛ أو أن التوازنات الدولية تفرض ما لا يمكن تغييره. ثم يتحول هذا المنطق بسهولة إلى تبرير لديمومة السلطة القائمة، مهما تكن طبيعتها وأفعالها. ولكن، إذا كانت المصلحة وحدها هي المعيار، فما الذي يتبقى من العدالة، أو القانون، أو حقوق الشعوب؟!
ثمة أخيرًا موقف ثالث، يمكن وصفه بـ”موقف التكيف مع القوة/ السلطة”. والتاريخ يضج بـ”مثقفين” اصطفوا مع القوة/ المُهيمن لأسباب لا علاقة ضرورية لها بالغباء أو الفساد. لقد فعلوا لأنهم شكلوا قناعة واعية بأن القوة المنتصرة تمثل المستقبل، وأن مقاومتها عبث وتزمت. وهي ذهنية لطالما حضرت في الكثير من السياقات الاستعمارية والصراعات الرئيسية، وتحضر بوفرة في التفاعلات الجارية في منطقتنا.
مشكلة هذا الموقف هي أنه يصطدم بسؤال أخلاقي مركزي: ما معيار العدالة، القوة أم الحق؟ وإذا انتهى التفاوض إلى الاستنتاج اليائس بأن الحق لا فرصة له أمام القوة، فإن كل مقاومة للاستعمار أو الهيمنة أو السلطة ستكون بلا معنى. وسيكون من المستحيل تفسير أي حركة تحرر وطني في التاريخ.
من المفارقات أن الكثير من حركات التحرر التي أصبحت تبدو اليوم بديهية ومشروعة –من مقاومة الاستعمار الأوروبي في إفريقيا وآسيا، إلى مقاومة الاحتلال النازي في أوروبا– كانت توصف في زمانها بالمغامرة أو الإرهاب أو العبث. كان هناك دائمًا أولئك الذين ينسون أن حقائق التاريخ لا يكتبها منطق القوة وحده، وأن هناك أيضًا منطق الشرعية، والذاكرة، والمعنى الأخلاقي التي تجعل الصراع مستمرًا ولم يُحسم أبدًا لصالح القوة. 
عندما يختل التناسب الأخلاقي في النظر إلى صراع بين نقيضين واضحين مثل التحرر والاستعمار/ الهيمنة، سيركز التحليل على أخطاء الطرف الأضعف بينما يتم تنزيه الطرف الأقوى عن الجدل والتعتيم عليه، وتحويله إلى طيف غائم صامت غير واضح في الخلفية. وفي هذا التحليل سيصبح “عنف المقاومات” هو السؤال -وإنما ليس السياسات والأفعال الغاشمة التي صنعت نقيضها المقاوم في المقام الأول.
في مثل هذه اللحظات تصبح المعرفة نفسها موضع تساؤل: ما قيمة الثقافة والبلاغة والتحليل حين تُحال إلى التقاعد أمام اختبارات أخلاقية شديدة الوضوح؟ وما معنى أن يكون المرء مثقفاً إذا كانت أدواته النقدية تُستخدم انتقائياً لتخدم القوة ولا تخدم الحقيقة؟ وكما تساءل إيلان بابيه: كيف يقبل أشخاص أذكياء، متعلمون وواسعو المعرفة، لأنفسهم الوقوع في هذا التناقض؟ أهو غباء أخلاقي؟ عوز أخلاقي؟ أم انتهازية واعية؟ أم مزيج من كل ذلك؟
أياً يكن الجواب، فإن النتيجة واحدة: تعطيل مدهش للمعايير العقلانية ذاتها التي تُستدعى في كل قضايا الكون، وتُنفى عندما يتعلق الأمر بقضايا ليست أقل من إنسانية ووجودية كبرى: الحرية، الاستعمار، الإبادة، والاستبداد. في هذه المواقف تتعدى الظاهرة الخلاف السياسي أو اختلاف التقدير، لتصبح تجليًا لخلل عميق وعلاقة معيبة بين المعرفة والأخلاق والسلطة.
إنها تُبين أن المعرفة لا تعطي صاحبها حصانة من الانحياز. وأن الذكاء لا يضمن التحلي بالشجاعة الأخلاقية. وأن المثقف لا يُقاس بما يعرفه، وإنما بما يختار أن يفعله بما يعرفه. عندما تنفصل المعرفة عن المسؤولية الأخلاقية، فإنها تتحول من أداة لتحرير الإنسان إلى وسيلة لتبرير إخضاعه. ومن مسعى لتحرير الحقيقة وقولها في وجه السلطة إلى ممارسة أخرى من ممارسات السلطة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية