الرواشدة يكتب: أمام الحكومة فرصة لترطيب المزاج العام
حسين الرواشدة
بين فكي كماشة الضغوطات الاقتصادية والإقليم الملتهب بالحروب والصراعات ، يشعر الأردنيون بالقلق ، حالة الاحتقان التي تعبر عنها وقائع العنف والتوتر والإحساس بالمظلومية وفقدان الأمل تشير إلى وجود أزمات داخل مجتمعنا ،يجب أن نعترف بها، ونتحرك لمواجهتها بحكمة وعقلانية ،وبحلول جذرية لا بمجرد وعود ومسكنات.
الحكومة ،على مدى نحو عام وتسعة أشهر ، التزمت بمهمة أساسية عنوانها تفكيك الأزمات ،والتخفيف عن الأردنيين وتحسين الخدمات التي تضمن عيش كريم لهم، جردة الإنجازات في هذا المجال لا يمكن إنكارها، لكن الطريق إلى امتصاص الاحتقانات ( الاختناقات )بإنجازات تحظى بالرضا العام ما زال في بداياته، يحتاج إلى أفعال أكبر وخطوات أسرع.
أعرف ،تماماً، أزماتنا الاقتصادية تراكمت عبر عقود طويلة ، الإمكانيات المتوفرة لا تسمح للحكومة أن تحدث "الفرق" بكبسة زر ، التحولات التي عصفت بالمنطقة وما تركته من تداعيات ، سياسياً واقتصادياً، أضافت أعباء جديدة على الدولة ، هذا يفهمه الأردنيون ويقدرونه، لكن ترطيب المزاج العام لا يقتصر ،فقط ، على تحسين الأوضاع المعيشية على أهميته، وإنما يمتد إلى إجراءات تضمن إصلاح النظام العام ؛ أقصد كل ما يتعلق بالمجتمع وإدارات الدولة من قيم وقوانين ،اقتصاد وتعليم وثقافة ، مناخات عامة وإدارة وعدالة ، هذه وغيرها تشكل أساسات المناعة الوطنية المطلوبة.
المهمة صعبة، والإنجاز فيها يحتاج إلى برامج طويلة المدى ،وعميقة النظر والتخطيط ، لكن يمكن أن نبدأ بالملفات وفق الأولويات ، إعادة انتصاب موازين العدالة بحيث يشعر الجميع بآثارها ، إطفاء شرارات المظلومة وتفريغ ما أمكن من خزاناتها، سواء التي تتعلق بالبطالة ، أو التعيينات في الوظائف العامة ، أو ملاحقة شبهات الفساد … الخ، إعادة قيمة "سعة الصدر " للإدارة الأردنية في التعامل مع هفوات الأردنيين و أخطائهم ، بالتلازم مع استخدام الحزم القانوني ضد من يهدد سلامة المجتمع ، وقف ماكينة الاستفزاز وخطابات اهانة المجتمع ،التعامل مع الأردنيين بخطاب الدولة الأردنية الذي تأسست عليه، وكان الضمان لاستمرارها واستقرارها.
لدى إدارات الدولة ،الحكومة تحديداً، فرصة كبيرة لإخراج الأردنيين من حالة القلق والتوتر والاحتقانات والانقسامات إلى مناخات اكثر هدوءاً واستقراراً، ثم ترميم ثقتهم بأنفسهم ومؤسساتهم ومع بعضهم ، ثم تعزيز جبهتهم الداخلية، انتزاع هذه الفرصة يحتاج ،أولاً، إلى إرادة سياسية وفريق كفؤ وموثوق به ، يحتاج ، ثانياً، إلى الانفتاح على الأردنيين والتواصل معهم والعمل في خدمتهم ، يحتاج ،ثالثاً، إلى مصارحات ومصالحات تطوي صفحة أخطاء الماضي ، وتبدأ من لحظة التصميم على تجاوزه، وبناء واقع قادم عنوانه "الاستدارة للداخل"، يحظى بثقة الأردنيين ، ويطمئنهم على مستقبلهم.
يستطيع رئيس الحكومة جعفر حسان ، بحكم تجربته العملية ، أن ينفذ رؤية الملك وفق مشروع التحديث في مساراته الثلاثة، يستطيع أن يكون "مايسترو " لتوجيه الفاعلين في المجال العام، والتحكم بإيقاع حركتهم في إطار إدارة الشأن العام، بما يتناسب مع الظروف المعقدة التي يمر بها بلدنا ، لديه امكانيات لم تتوفر لغيره ،ومعيقات أقل ، تمكنه من أحداث "فرق " في نهج الحكومات وإنجازاتها ،اقتصاديا وسياسياً، ربما يحتاج إلى استبدال بعض "المراكب " التي تشكل منها أسطول حكومته ، ربما يحتاج إلى انفتاح أكثر على المجتمع ومعرفة أعمق بتفاصيله، نختلف معه في إدارة بعض الملفات ، لكن نريد أن ينجح ، ليس من أجله ، وإنما من أجل بلدنا .







