اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الحوارات يكتب: بعد تسعة وخمسين عاما من النكسة؛ أين فلسطين من كل ما يحدث؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.منذر الحوارات


مرت على العجوز الفلسطينية المتأبطة مفتاح بيتها في يافا منذ العام 1948م، مشاريع وحكايات كثيرة؛ قومية وإسلامية وثورية يسارية، لكن النتيجة بقيت واحدة؛ الفلسطيني ما يزال يقاتل من أجل أبسط حقوقه، الأرض والهوية والسيادة، والسؤال الذي يفرض نفسه؛ أين كانت المشكلة؟
 

كثيرون سيجيبون بكلمة واحدة: “الخيانة”، لكن هذا التفسير تحول مع الوقت إلى شماعة مريحة حالت دون مراجعة الأسباب الحقيقية للهزائم المتتالية، فمنذ البداية تعامل العرب مع إسرائيل باعتبارها دولة صغيرة طارئة يمكن إسقاطها بسهولة، بينما كانت في الحقيقة مشروعا دوليا متكاملا مدعوما من القوى الغربية، بشبكات نفوذ مالية وعلمية وسياسية واسعة، ورواية متماسكة تعبر عن نفسها وأهدافها بمنتهى الحنكة، بينما انشغل العرب بعدد السكان ومساحة الأرض، ولم يقرأوا عمق التنظيم والتكنولوجيا والدعم الدولي، فكانت صدمة 1948 قاسية ومؤلمة.
لاحقا للهزيمة، صعد المشروع القومي بقيادة عبد الناصر وجعل فلسطين في قلب أولوياته، لكن الخطاب المتحمس لم يكن مدعوما بالاستعداد العسكري والثقافي الكافي، وعندما جاءت نكسة 1967 لم تخسر فلسطين الضفة والقطاع فحسب، بل خسرت الثقل العسكري المصري الذي شكل العمود الفقري لأي مواجهة عربية شاملة، وبعد حرب (أكتوبر) واتفاقية كامب ديفيد خرجت مصر من معادلة الحرب العسكرية، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الصراع.
ومع تراجع المشروع القومي انتقلت فلسطين إلى عهدة مشاريع الإسلام السياسي؛ حيث رفعت جماعة الإخوان المسلمين وحماس والتنظيمات الجهادية شعار التحرير لكنها لم تبلغه، وفي المقابل رفعت الثورة الخمينية ممثلة للإسلام الشيعي منذ 1979 راية القدس وأنشأت محور المقاومة ومدت نفوذها عبر حلفاء متعددين، لكن بعد أكثر من أربعة عقود تبدو الحقيقة المؤلمة أن فلسطين أصبحت أبعد مما كانت عن التحرير، بينما ازدادت إسرائيل قوة ونفوذا.
ولم تكن فلسطين ضحية سوء قراءة الصراع وحده، بل ضحية الانهيار العميق للنظام العربي أيضا؛ احتلال العراق والربيع العربي وما تبعه من حروب في سورية وليبيا والسودان واليمن أغرقت الدول العربية في أزماتها الداخلية فتراجعت القضية من موقعها المركزي، وقبل ذلك كان الانقسام الفلسطيني في العام 2007 جرحا فوق جرح؛ مشروعان سياسيان وسلطتان وروايتان مختلفتان، وكانت إسرائيل المستفيد الأكبر، أما بعد السابع من (أكتوبر) فرغم أن إسرائيل لم تنجح في القضاء على حماس، إلا أنها دمرت أجزاء واسعة من غزة وفرضت وقائع جديدة على الأرض زادت من صعوبة قيام الدولة الفلسطينية.
واليوم في ظل الحرب الأميركية الإيرانية والتوترات الإقليمية الممتدة، تبدو فلسطين وكأنها تراجعت إلى الصفوف الخلفية إعلاميا وسياسيا، ليس لأن العالم نسيها، بل لأنه اعتاد عليها، “ربما أكثر مما ينبغي”، وتكمن المشكلة أيضا في طبيعة المقاربات التي حكمت التعامل مع القضية؛ مدرسة دعت إلى الاجتثاث الكامل، وأخرى طالبت بالواقعية السياسية وتحقيق مكاسب مرحلية، وثالثة راهنت على الزمن وتناقضات المشروع الصهيوني، لكن أيا منها لم ينجح حتى الآن في بلوغ الهدف أو الوصول إلى تسوية عادلة.
ربما فشلت المشاريع جميعها، وربما أخطأ الجميع في قراءة اللحظات التاريخية كما ينبغي، لكن ثمة حقيقة واحدة ما تزال حاضرة رغم كل شيء؛ شعب فلسطيني متمسك بأرضه يرفض أن يكون عابرا في وطنه، قد تتمكن إسرائيل من ضم الأرض، وتهويد القدس، وتوسيع المستوطنات ومحاصرة غزة وتدميرها، لكنها لم تتمكن من إقناع الفلسطيني بأن هذه الأرض ليست أرضه، ولهذا السبب تحديدا، ورغم المآسي والانقسامات والإخفاقات، فإن القضية لم تنته؛ قد تتراجع وتغيب عن الشاشات أحيانا، لكنها تعود دائما إلى جوهرها الأول؛ شعب يطالب بحقه في أن يعيش حرا على أرضه.
وبعد تسعة وخمسين عاما من النكسة يبقى السؤال مفتوحا؛ هل نتعلم أخيرا من أخطاء الماضي، أم نواصل الدوران في الحلقة نفسها بينما تتغير الأرض من تحت أقدامنا؟ للأسف، يبدو أن النخب العربية والفلسطينية لا تزال تراوح في المقاربات ذاتها التي أثبتت إخفاقها مرارا، وفي المقابل لا يزال المشروع الصهيوني يحافظ على وضوح إستراتيجي نادر في أهدافه ومساراته، وهو ما مكنه على مدى عقود من تحويل كل هزيمة لخصومه وكل انقسام بينهم إلى رصيد يضاف إلى مشروعه، فتتكرر النكسة بأشكال مختلفة منذ النكبة وحتى اليوم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية